اصول – مباحث الفاظ – جلسه 58
الجامع الثاني
وقد تصوروا جامعا آخر، لعلّه يكون ملائما مع بساطة المشتق ايضا.
قالوا: نحن لا نتعرض للذات، وانما نقول: ان المبدأ الذي يكون باقيا في حال العدم ولم يخرج بعد الى الوجود، قد يلاحظه الانسان، كالعلم والطبابة ونحوهما. وهذا المبدأ الذي لا يزال معدوما خارج عن محل البحث، ولم يوضع المشتق له.
واما اذا كان لنا مبدأ خرج من العدم الى الوجود، فالمشتق موضوع للمبدأ الذي خرج من العدم. بمعنى ان كل مبدأ خرج من العدم يمكن ان يكون متعلقا لوضع المشتق.
ولا فرق في ذلك بين ان يكون خروج المبدأ من العدم مستمرا، بحيث يكون المبدأ متلبسا به فعلا، وبين ان يكون التلبس به قد انقضى. فان المبدأ في مورد من انقضى عنه المبدأ ايضا قد خرج من العدم الى الوجود، والمشتق موضوع للمبدأ الذي خرج من العدم.
فخروج المبدأ من العدم له مصداقان: فتارة يكون المبدأ متلبسا، وتارة يكون التلبس به قد انقضى. وعليه يمكن ان يكون هذا قدرا جامعا بين المتلبس بالمبدأ ومن انقضى عنه المبدأ.
الجامع الثالث: الجامع الانتزاعي
فلعل المحقق الخوئي يريد ان يقول: ان هذين الجامعين من قبيل الجامع الحقيقي، وان لم نقبل بهما، امكننا تصور جامع آخر يسمى بالجامع الانتزاعي.
ولكن قبل بيان الجامع الانتزاعي، ينبغي تقديم مقدمة:
قد تعرض في بحث الواجب التخييري لمسألة ان متعلق الوجوب ما هو؟ وهل هو احد الافراد على نحو التعيين، او عنوان جامع بينها؟
فمثلا في الكفارة، هل تعلق الوجوب بعتق الرقبة، او بصيام شهرين متتابعين، او باطعام مسكين؟ وقد تصور المرحوم النائيني في امثال ذلك جامعا انتزاعيا، فقال: ان متعلق الوجوب هو عنوان احدها، على نحو لا ينتهي الى الفرد المردد. وهذا جامع انتزاعي انتزعناه من هذه الامور الثلاثة بعنوان احدها.
فقال المحقق الخوئي: نحن نقول بنظير ذلك في بحث المشتق، ونلتزم بان موضوع له المشتق هو عنوان احدهما. وهذا هو الجامع الثالث.
ولكن ينبغي الالتفات في هذا الجامع الانتزاعي الى ان الضمير في قوله: احدهما، له مرجع، كما ان الاسم المبهم يحتاج الى مرجع. ومن الواضح ان المراد من احدهما احد المتلبس ومن انقضى عنه المبدأ، ومرجع الضمير معلوم واضح.
فمرجع الكلام في الحقيقة الى ان التلبس والانقضاء قد دخلا في الجامع، غاية الامر انهما اخذا بعنوان مشير.
وقد كان اشكال المحقق النائيني هو انه اذا اريد اخذ التلبس والانقضاء معا في موضوع له المشتق، فهما في الحقيقة حالتان زمانيتان، ولازم ذلك اخذ الزمان في موضوع له المشتق، مع انهم ذكروا ان الزمان لا ينبغي ان يؤخذ في موضوع له المشتق.
وعليه، فان المحقق الخوئي لم يتمكن من الجواب عن هذا الاشكال.
مناقشة الجامع الثاني
واما الجامع الثاني الذي ذكرتموه، فينبغي ان يقال: هل اخذتم الذات في هذا الجامع ام لم تأخذوها؟
فان كان المقصود ان المشتق الاصولي موضوع لخروج المبدأ من العدم الى الوجود، وفيه: ان هذا الجامع يشمل معنى المصدر والفعل ايضا، مع ان المصدر والفعل ليسا من المشتقات الاصولية.
ففي المصدر والفعل ايضا خروج المبدأ من العدم الى الوجود. فاذا كان هذا المعنى هو الجامع بين المشتقات، لزم ان يشمل المصدر والفعل ايضا، مع انهما خارجان عن محل النزاع في المشتق الاصولي.
و ان قلت : ان خروج المبدأ من العدم الى الوجود اخذ مع ملاحظة الذات، قلت : يرد عليه اشكال اساسي، ولكن قبل بيانه نقدم مقدمة.
وقد عرفت سابقا في بحث المعاني الحرفية علی القول بکون وجود المعاني الحرفية وجود نسبي، والنسبة قائمة بالطرفين، فبانعدام الطرفين تنعدم النسبة، وبوجودهما تتحقق النسبة.
وكذلك ذكرنا ان الوجودات الرابطية والنسب متباينة فيما بينها، ولا يتصور بينها قدر جامع بالمعنى الحقيقي للكلمة.
فنقول: ان التلبس والانقضاء في محل الكلام نسبتان، وهذا امر واضح لا مجال للترديد فيه.
فالنسبتان، وان كانتا متشابهتين، لا يكون بينهما قدر جامع حقيقي، فضلا عما اذا كانتا متناقضتين ومتباينتين.
فالتلبس عبارة عن اتصاف الذات بالمبدأ فعلا. والانقضاء عبارة عن عدم اتصاف الذات بالمبدأ فعلا.
نعم، في مورد الانقضاء يكون هذا العدم الفعلي ملحوظا مع لحاظ التلبس السابق.
فبين هاتين النسبتين تناف، لان الاتصاف وعدم الاتصاف نسبتان متنافيتان.
فالمصداقان اللذان فرضتموهما للنسبة متناقضان في الحقيقة، فكيف يمكن تصور قدر جامع بين نسبتين متنافيتين؟
فتحصل: ان الوجودين الرابطين لا يكون بينهما قدر جامع حقيقي، فلا يمكن ان يكون موضوع له المشتق هو ذلك الجامع.
الدليل الاثباتي على عدم وضع المشتق للاعم
مضافا الى ذلك، فلو سلمنا امكان تصور قدر جامع بين المتلبس بالمبدأ وما انقضى عنه المبدأ، الا اننا لا نملك في مقام الاثبات دليلا على ان المشتق وضع للاعم من المتلبس والمنقضي عنه المبدأ، بل الدليل الاثباتي قائم على خلافه.
ومن اهم الادلة على ذلك التبادر.
وقد ذكرنا ان التبادر، ولا سيما التبادر الاطرادي، من علائم الحقيقة. فلو راجعت اهل اللسان، وجدت ان كل مورد استعمل فيه المشتق، فان الظاهر عند عامة اهل اللسان هو المتلبس بالمبدأ فعلا.
و مثل قوله: زيد عالم او زيد ضارب
فالمتبادر من هذا التعبير ان زيدا متلبس فعلا بالعلم او بالضرب.
وهذا التبادر يوجب ظهورا في ان المشتق موضوع لخصوص المتلبس بالمبدأ فعلا، لا للاعم من المتلبس ومن انقضى عنه المبدأ.
فالحاصل: انه حتى لو امكن تصوير جامع بين المتلبس والمنقضي عنه المبدأ ثبوتا، فلا دليل اثباتي على وضع المشتق للاعم، بل التبادر الاطرادي شاهد على اختصاص المشتق بالمتلبس بالمبدأ في الحال.
















ثبت دیدگاه