اصول – مباحث الفاظ – جلسه 28
الكلام في استعمال اللفظ في اكثر من معنى.
وهذه المسألة من معارك آراء الاصوليين، فقد ذهب جماعة كثيرة، كالمحقق النائيني، والسيد البروجردي، وغيرهما، الى امتناعه. بل حتى من قال بامكانه، غالبا يراه خلاف الظاهر. وفي مقابلهم ذهب قليل الى انه ليس بممتنع، ولا هو خلاف الظاهر، بل وقع في بعض الموارد.
الجهة الاولى
ليس المراد من هذا البحث استعمال اللفظ في مجموع المعنيين بما هو معنى واحد، ولا استعماله في الجامع بين معان متعددة.
فلو استعمل لفظ «العين» في الجامع الكلي بين العين الباصرة والعين الجارية والذهب، فليس ذلك محل الكلام.
وكذلك ليس المراد ان لا يخطر الى ذهن المخاطب الا معنى واحد، فان فرض تعدد المعنى يرتفع بذلك.
بل المراد ان يستعمل اللفظ في كل واحد من المعنيين على نحو الاستقلال، بحيث يكون كل واحد منهما مدلولا مستقلا.
فلو اراد المتكلم العين الجارية والعين الباصرة، فبدل ان يقول: «ائتني بعين جارية وعين باصرة»، قال: «ائتني بعين»، وكان هذا اللفظ الواحد موجبا لاخطار كلا المعنيين في ذهن المخاطب.
فالاستقلال هنا استقلال في المعنى والمفهوم، لا في الوجود الذهني، بمعنى ان كلا من المعنيين ملحوظ بعنوانه الخاص، لا انه جزء للآخر او مركب معه.
الجهة الثانية
ينبغي التفكيك بين المدلول الاستعمالي والمدلول الجدي.
فمحل الكلام انما هو المدلول الاستعمالي، لا المدلول الجدي.
واما في المدلول الجدي، فلا اشكال في امكان استعمال اللفظ مع كون المراد الجدي احد المعنيين خاصة.
فلو قال: «اكرم العشرة»، فقد يكون لفظ «العشرة» مستعملا في معناها المجموعي، ولكن يكون الحكم في مرحلة المراد الجدي منحلًا الى افرادها.
وقد يكون الامر بالعكس، بان يستعمل اللفظ في معنيين، ويكون المراد الجدي مجموعهما.
وقد وقع الخلط بين مرحلة الاستعمال ومرحلة المراد الجدي في كلمات بعض الاعلام.
الجهة الثالثة: في امكان الاستعمال وامتناعه
الكلام في المقام الثبوتي، وهو انه هل يمكن عقلا استعمال اللفظ الواحد في اكثر من معنى، او يمتنع؟
وقد بنى اكثر القائلين بالامتناع ادلتهم على هذا المقام، فلو ثبت الامتناع الذاتي لم يبق مجال للبحث الاثباتي.
واما مع ثبوت الامكان، فينتقل الكلام الى مقام الظهور والاستظهار العرفي.
الوجه الاول للقائلين بالامتناع
ذهب المحقق النائيني الى ان استعمال اللفظ في اكثر من معنى يستلزم ايجاد تصورين مستقلين في ذهن المخاطب بلفظ واحد وفي آن واحد.
ولما كانت النفس بسيطة، استحال اجتماع تصورين مستقلين فيها في زمان واحد.
وفيه:
اولا: من اين ثبت ان النفس بسيطة؟ وما الدليل على معرفة حقيقتها بهذا النحو؟
وثانيا: ينتقض ذلك بما نجده بالوجدان، فان الانسان قد يدرك معنيين في وقت واحد.
فلو تكلم شخصان معا، فقال احدهما: «زيد»، وقال الآخر: «عمرو»، ادرك السامع كلا المعنيين في آن واحد.
وكذلك في قولنا: «زيد عالم»، فان الموضوع والمحمول معنيان مستقلان، ويحضران معا في الذهن.
الوجه الثاني للقائلين بالامتناع
ذكر المحقق العراقي ان اللفظ علة لايجاد تصور المعنى في الذهن.
فلو اوجد اللفظ الواحد تصور معنيين، لزم صدور معلولين مستقلين عن علة واحدة، وهو محال، لان كل معلول مستقل يحتاج الى علته الخاصة.
وفيه:
اولا: لا كلية لهذه القاعدة، فقد تصدر عن العلة الواحدة آثار متعددة، كما في الشمس، فانها سبب للضياء والحرارة معا.
وثانيا: اللفظ وحده ليس هو العلة، بل العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى هي المنشأ للانتقال الذهني.
فاذا كان لفظ «العين» موضوعا لكل من العين الباصرة والعين الجارية، كانت في الذهن علاقتان وضعيتان مستقلتان، وكل واحدة منهما تقتضي انتقال الذهن الى معناها، فلا مانع من تداعي المعنيين معا.
تقريب آخر للمحقق العراقي
ذكر ان اللفظ في مقام الاستعمال آلة لاخطار المعنى، وكل معنى يحتاج الى لحاظ آلي مستقل.
فلو استعمل اللفظ الواحد في معنيين، لزم اجتماع لحاظين آليين في ملحوظ واحد، وهو محال.
وفيه:
انا لا نقبل تفسير المرآتية وفناء اللفظ في المعنى بمعنى الاتحاد الحقيقي بينهما.
بل المراد ان اللفظ يصير مغفولا عنه، لا انه يتحد بالمعنى.
وعليه، فلا مانع من انتقال الذهن من لفظ واحد الى معنيين بواسطة علاقتين وضعيتين مستقلتين، من غير لزوم لحاظين آليين.
وجه آخر للمحقق الاصفهاني
ذكر ان للفظ وجودا حقيقيا، والمعنى بمنزلة وجوده التنزيلي.
فاللفظ في مقام الاستعمال ينزل منزلة المعنى.
ولما كان الوجود اللفظي واحدا، امتنع ان يكون له وجودان تنزيليان، لان كل وجود تنزيلي يحتاج الى تنزيل مستقل.
وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني للمحقق العراقي.
وفيه:
التنزيل ليس وجودا حقيقيا، وانما هو تعبير عن العملية الوضعية.
فاذا تعددت العلاقات الوضعية، تحقق التنزيلان معا بتحقق اللفظ الواحد، فلا تكون وحدة اللفظ مانعة من تعدد المدلول.
وجه آخر لصاحب الكفاية
ذكر صاحب الكفاية بيانا قريبا من التقريب الثاني للمحقق العراقي.
وحاصله: ان اللفظ يفنى في المعنى حال الاستعمال، وهذا الفناء عبارة عن اتحاد لحاظي بين اللفظ والمعنى.
فلو استعمل اللفظ الواحد في معنيين، لزم اتحاد شيء واحد بشيئين، وهو محال.
وفيه:
الجواب هو ما تقدم.
فان الفناء ليس بمعنى الاتحاد الحقيقي، بل بمعنى زوال الالتفات الاستقلالي الى اللفظ.
وعليه، لا مانع من اخطار معنيين بلفظ واحد، بعد تعدد العلاقات الوضعية.
هذه اهم الوجوه التي استدل بها الاصوليون على امتناع استعمال اللفظ في اكثر من معنى.
وقد ظهر ان جميع هذه الوجوه قابلة للمناقشة، ولا ينهض شيء منها لاثبات الامتناع العقلي.
فالحاصل : ان اصل الامكان العقلي لاستعمال اللفظ في اكثر من معنى محفوظ، ولا مانع منه في مقام الثبوت.
















ثبت دیدگاه