اصول – مباحث الفاظ – جلسه 2
قد عدل بعض الأعلام عن التعريف المشهور دفعا لما أورد عليه، فعرفوا علم الأصول بأنه:
«ما يبحث فيه عن القواعد الممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي.»
فجعلوا المائز هو الحجة؛ فإن القواعد الأصولية إنما يترتب عليها حصول الحجة على الحكم الشرعي، سواء كانت الحجة قطعا، أم أمارة، أم أصلا عمليا شرعيا، أم عقليا.
إلا أن هذا التعريف أيضا لا يخلو من إشكال.
أما أولا، فلأن تحصيل الحجة على الحكم الشرعي ليس هو نفس الحكم الشرعي حتى يقال: إن القاعدة الأصولية توجب الوصول إلى ما به يستنبط الحكم.
وأما ثانيا، فلأنه غير مانع، لدخوله علم الفقه أيضا؛ إذ الفقه كذلك بحث عن الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية.
وقد أجاب المحقق الإصفهاني عن الإشكال الوارد على التعريف المشهور، بأن المراد من الاستنباط في قولهم: «القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي» ليس تحصيل القطع بالحكم، حتى يرد عليه عدم الجامعية، بل المراد إثبات الحكم الواقعي تنجيزا أو تعذيرا؛ فإن المنجزية والمعذرية من آثار الحكم الواقعي.
فالمقصود من الاستنباط أعم من الإثبات الوجداني، ومن إثبات الحكم بنحو التنجيز أو التعذير؛ فتثبت المنجزية في الأحكام الإلزامية، والمعذرية في الأحكام الترخيصية، ويجري ذلك في الأدلة القطعية، كالإجماع والسيرة، وفي المستقلات العقلية، وفي الحجج الشرعية التعبدية، وفي الأصول العملية، شرعية كانت أو عقلية.
وعلى هذا، فجميع القواعد المبحوث عنها في خبر الواحد، والاستصحاب، وسائر الأصول العملية، مما يثبت بها الفقيه الحكم الواقعي تنجيزا أو تعذيرا، فيندفع بذلك إشكال عدم جامعية التعريف. وهذا تمام الكلام في دفع هذا الإشكال.
وأما القواعد الفقهية، كقاعدة: «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، فهي وإن جرت في أبواب متعددة من البيع، والإجارة، والصلح، والهبة، وغيرها، إلا أنها لا تثبت الضمان بعنوان البيع أو غيره، وإنما تثبته بعنوان «ما يضمن بصحيحه»، وهو الموضوع المأخوذ في نفس القاعدة، ثم يطبقه الفقيه على موارده.
فليس مفاد هذه القواعد استنباط حكم جديد، وإنما هي تطبيق الحكم على موضوعاته، فهي من المسائل الفقهية الحكمية، لا من القواعد الأصولية. وهذا من أحسن ما أجيب به عن إشكال عدم مانعية التعريف بالنسبة إلى القواعد الفقهية.
وأما ما قيل من أن التعريف غير مانع أيضا، لشموله مسائل الحديث، والرجال، واللغة، لأنها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، مع أنها ليست من علم الأصول.
وذلك لأن الفقيه لا يجوز له الاعتماد على الرواية ما لم تثبت وثاقة راويها، فالبحث عن وثاقة الراوي مما يتوسط في استنباط الحكم.
وكذا البحث اللغوي؛ فإن الفقيه لا بد له من معرفة معاني الألفاظ الواقعة في الكتاب والسنة ليستنبط الحكم منها.
ومنه لفظ «الصعيد» في قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾، فإنه ما لم يعلم أن المراد به مطلق وجه الأرض أو خصوص التراب، لم يمكن استنباط الحكم الكلي في باب التيمم.
وقد أجاب المحقق النائيني بأن ضابط المسألة الأصولية أن تقع في كبرى قياس الاستنباط، وأما المسائل الرجالية واللغوية فإنما تقع في صغراه.
ثم ذكر أن هذا الجواب وإن دفع الإشكال من جهة، إلا أنه يوجب إشكالا من جهة أخرى؛ فإن جملة من المسائل المسلمة في علم الأصول، كالبحث عن الألفاظ، والمفهوم، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وكذا الملازمات العقلية، كاقتضاء الأمر بالشيء وجوب مقدمته، أو اقتضائه النهي عن الضد، تقع أيضا في صغرى قياس الاستنباط.
فيقال مثلا:
هذا أمر، والأمر ظاهر في الوجوب، وكل ظهور حجة، فيثبت الوجوب.
فالبحث عن ظهور الأمر في الوجوب إنما يكون صغرى لكبرى حجية الظهور.
ويمكن دفع ما أورده على نفسه، بأن يقال: إن القاعدة الأصولية هي التي لا تحتاج في إثبات الحكم الشرعي إلى كبرى أصولية أخرى، وأما إذا كانت لا تنتج إلا بعد ضم كبرى أصولية إليها، فليست من المسائل الأصولية.
فإن البحث عن وثاقة الراوي لا ينتج ما لم تنضم إليه كبرى حجية خبر الثقة.
وكذا البحث عن معنى لفظ «الصعيد»، فإنه لا يفيد وحده حتى ينضم إلى دليل مشتمل على أمر أو نهي، ثم يستفاد الحكم بواسطة كبرى ظهور الأمر في الوجوب أو ظهور النهي في الحرمة.
فالمباحث اللغوية والرجالية ليست من مسائل علم الأصول.
فإن قيل: يلزم على ذلك خروج مباحث ظهور الأمر في الوجوب، وظهور النهي في الحرمة، وظهور الجملة الشرطية في المفهوم؛ لأنها أيضا محتاجة إلى كبرى حجية الظهور.
قلنا: إن حجية الظهور من الأمور البديهية، فلا تعد قاعدة أصولية مستقلة حتى يقال بافتقار تلك المباحث إليها.
وكذا في مسألة: «الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده»، فإنه لا يتوقف إثبات الثمرة في بعض أطرافها على ضم كبرى أصولية أخرى، كقاعدة: «النهي في العبادة يقتضي الفساد»، بل يكفي في صدق المسألة الأصولية أن يكون أحد طرفيها غير مفتقر إلى كبرى أصولية أخرى، فتكون بذلك من مسائل هذا العلم.
















ثبت دیدگاه