اصول – مباحث الفاظ – جلسه 15
كان الكلام في المعاني الحرفية، وقد فرغنا من البحث عن مسلك رضي الدين ومرحوم صاحب الكفاية، واليوم نشرع في بيان المسلك الثالث، وهو ما اختاره المحقق النائيني في تفسير معاني الحروف.
وقد قدم قبل الدخول في اصل البحث ثلاث مقدمات، لتتضح بها حقيقة مبناه.
المقدمة الاولى: بساطة المدركات العقلية
ذكر المحقق النائيني ان جميع ما يدركه العقل مفاهيم بسيطة متحققة في الذهن، ووجودها لا يتوقف على اللفظ ولا على التلفظ ولا حتى على الوضع.
فمفاهيم الجدار والشجر ونحوهما ثابتة في وعاء العقل، والانسان قد يتصور في الحس المشترك الجواهر والاعراض، كما يتصور المفاهيم الاضافية والنسبية كالابوة والبنوة والولد.
وهذه المفاهيم، وان كانت متضمنة للنسبة بين شيئين، الا انها حاضرة في الذهن على نحو البساطة وعدم التركيب، وما يذكر من تحليلها الى الجنس والفصل انما هو تحليل عقلي، لا ان الذهن يدركها كذلك.
المقدمة الثانية: الفرق بين المفاهيم المستقلة وغير المستقلة
قد يحضر المفهوم في الذهن مستقلا بنفسه، كمعاني الانسان والحيوان والبياض والسواد، فان هذه المفاهيم قابلة للتعقل ولو مع قطع النظر عن الوضع والاستعمال.
وقد لا يكون المفهوم كذلك، بل لا يدرك الا في ضمن غيره، كمعنى الابتداء والانتهاء، فانهما لا يتصوران الا مع تصور السير، وكذا معنى الظرفية وسائر المعاني الحرفية.
نعم اصل مفهوم الظرفية او الابتدائية موجود في الذهن، ولكنه لا يتحقق على وجه الاستقلال.
وعليه، فالمعاني الاسمية، كالجدار والانسان ونحوهما، مستقلة في التعقل، بخلاف المعاني الحرفية، كمن والى وفي، فانها لا تستقل في الذهن، وانما تدرك في ضمن غيرها.
تنبيه
المعاني الحرفية غير العلامات النحوية، كالرفع والنصب والجر.
فان العلامات النحوية وان كانت قائمة بغيرها، الا انها فاقدة للمعنى، بخلاف الحروف، فانها ذات معان، غير ان معانيها لا تتحقق الا في ضمن الجملة والارتباط بسائر اجزائها.
المقدمة الثالثة: الفرق بين المعاني الاخطارية والايجادية
ثم تعرض في المقدمة الثالثة للفرق بين المعاني الاخطارية والايجادية.
فالمعاني الاخطارية هي التي يخطر معناها في الذهن عند سماع اللفظ، كما اذا سمع لفظ «زيد» فان صورته تحضر في الذهن.
واما المعاني الايجادية فهي التي لا يقتصر الامر فيها على خطور المعنى، بل يكون اللفظ موجدا لها.
فاذا قيل: «يا زيد» كان النداء نفسه متحققا في وعاء الذهن، ولم يكن موجودا قبل التلفظ بحرف النداء.
وكذلك الحال في كاف الخطاب في «ذلك»، وفي اداتي «ليت» و«لعل»، فان معاني التمني والترجي توجد بنفس الاستعمال، ولم تكن موجودة قبله.
ومن هنا ذهب المحقق النائيني الى ان جميع الحروف ذات معان نسبية ايجادية، فبمجرد التلفظ بها توجد النسبة، لا انها تحكي عن نسبة سابقة.
وقال: كما ان العقود والايقاعات تنشئ الملكية والزوجية بصيغها، كذلك الحروف تنشئ النسب والروابط.
ففي قولنا: «سرت من البصرة» يكون حرف «من» موجدا لمعنى الابتدائية، لا حاكيا عنها.
فالحاصل عنده ان جميع الحروف، من «من» و«الى» و«في» وغيرها، معان ايجادية نسبية، لا اخطارية.
توضيح الفرق بين المعنى الاخطارى والايجادي
قد يلاحظ لفظ «النداء» بما هو مفهوم اسمي، فنقول:
«النداء هو توجيه الخطاب الى شخص بالصوت او بالدعوة.»
فهذا معنى اسمي يخطر في الذهن عند سماع لفظ «النداء».
وقد يستعمل مصداق النداء، كما في قولنا: «يا زيد».
فهنا لا يكون حرف النداء مخطرا لمعنى النداء، بل موجدا له.
فبان بذلك الفرق بين لفظ «النداء» وبين حرف «يا».
فالاول يخطر المفهوم في الذهن، والثاني يوجد حقيقة النداء.
تقريب المطلب
ولتقريب المقصود، نقارن بين الجملة الخبرية والانشائية في قولنا: «بعت».
فان استعملت للاخبار عن وقوع البيع، كانت اخبارا عن امر خارجي، يحتمل الصدق والكذب.
واما اذا استعملت في مقام انشاء البيع، كما في قول البائع: «بعتك الدار»، كانت منشئة للملكية، ولم تكن اخبارا، فلا توصف بالصدق والكذب، بل يترتب عليها اعتبار شرعي او عقلائي، وهو الملكية.
وكذلك في باب النداء، فان لفظ «النداء» معنى اسمي اخطاري، واما «يا» فهي من الايجاديات، اذ توجد النداء بنفسها.
توضيح آخر لمبنى المحقق النائيني
ذكر المحقق النائيني انه اذا قيل: «القلم» او «الابيض»، فان كلا منهما يحضر معنى اسميا مستقلا، ولا توجد بينهما نسبة.
واما اذا قيل: «القلم ابيض»، فقد وجدت بين الجوهر والعرض نسبة لم تكن موجودة قبل تركيب الجملة.
فهيئة الجملة انما وظيفتها ايجاد النسبة بين المعنيين المستقلين، لا الاخبار عنها.
فالهيئات عنده ايجادية، لا اخطارية.
ثم عمم ذلك في سائر الحروف، فقال: قد تكون النسبة بين الفعل ومتعلقه.
ففي قولنا: «زيد جلس في الدار»، يكون حرف «في» موجدا لنسبة الظرفية بين الجلوس والدار.
وكذلك في قولنا: «سرت من البصرة الى الكوفة»، يكون حرف «من» موجدا للابتدائية، و«الى» موجدا للانتهائية.
فجميع المعاني الحرفية عنده عبارة عن ايجاد الروابط بين المعاني الاسمية.
الاشكال
قد يقال: اذا كانت المعاني الايجادية لا تحكي عن الواقع، فكيف تحكي الجمل من قبيل: «زيد في الدار» و«ضرب زيد» عن الواقع الخارجي؟
الجواب
اجاب المحقق النائيني بان هيئة الجملة، كحرف «في» او هيئة الجملة الفعلية، لا تحكي عن الخارج، وانما شأنها ايجاد النسبة بين المعنيين.
واما الحكاية عن الخارج، فانما هي لمجموع الجملة.
فالاشكال ناشئ من الخلط بين وظيفة الهيئة ووظيفة الجملة.
خلاصة نتائج مبناه
الاول: ان موطن المعاني الحرفية هو مقام الاستعمال، بخلاف المعاني الاسمية، فان موطنها الذهن والعقل.
فالمعاني الاسمية تحضر بالاستعمال، واما المعاني الحرفية فلا توجد الا به.
الثاني: ان الاسماء مستقلة في معناها، واما الحروف فمعانيها قائمة بغيرها، ولا استقلال لها.
فلفظ «زيد» يتصور مستقلا، بخلاف «يا»، فانه لا يفيد معنى مستقلا، وانما يظهر معناه في قولنا: «يا زيد»، وهو النداء والخطاب.
الثالث: ان الاسماء اخطارية، والحروف ايجادية.
فالاسم يخطر معناه في الذهن، كما في الجدار والشجر، واما الحرف فلا يخطر معنى سابقا، بل يوجد المعنى بنفس الاستعمال.
ولذلك قيل:
«الحروف معان ايجادية لا اخطارية.»
الرابع: ان الحروف لا تتحقق الا في ظرف الاستعمال، فحرف «يا» لا وجود لمعناه قبل الاستعمال ولا بعد انقضائه، وانما يوجد في نفس حال الاستعمال.
الخامس: ان المعنى الحرفي لا يكون موردا لالتفات المتكلم بالاستقلال، بل يكون مغفولا عنه وتابعا لغيره.
ففي قولنا: «يا زيد» يكون المقصود الاصلي هو خطاب زيد، وهو معنى اسمي، واما «يا» فلا يلتفت اليها استقلالا، بل يتحقق معناها في ضمن ذلك المقصود.
النتيجة
فتحصل ان المحقق النائيني يرى ان وظيفة جميع الحروف ايجاد المعنى في ضمن غيره، لا اخطار معنى مستقل ولا الحكاية عنه.
وخلاصة كلامه:
الحروف توجد المعاني ولا تخطرها.
المعنى الحرفي لا يتحقق الا حال الاستعمال.
الحرف لا يكون له معنى مستقل، بل يتحقق في ضمن غيره.
المعاني الحرفية لا استقلال لها في الذهن، ولا تكون موردا للالتفات الاستقلالي.
الايجاديات الحرفية، كحرف النداء، معان عابرة ومغفول عنها، بخلاف الانشاءات في العقود والايقاعات، كقولنا: «بعت»، فان المعنى المنشأ فيها باق ومورد للالتفات.
وسياتي ان شاء الله بيان الفروق الثلاثة بين الانشاءات الواقعة في العقود والايقاعات، وبين الايجاديات الموجودة في الحروف.
















ثبت دیدگاه