فقه – مباحث طهارت – جلسه 99
قد تقدم ان صور المسألة ثلاث:
فتارة تكون الملاقاة بعد تحقق الكرية، ولو بآن عقلي، ولا اشكال حينئذ في عدم انفعال الماء، لانه كان كرا حال الملاقاة.
واخرى تكون الملاقاة قبل حصول الكرية، ولو بآن عقلي، ولا كلام ايضا في انفعال الماء في هذه الصورة، لانه كان قليلا حين الملاقاة. ومن هنا نقول، كما اشرنا اليه سابقا، ان تكميل الماء القليل النجس باضافة الماء الكر لا يكفي في تطهيره.
اقول: اللهم الا ان يقال: ان تشخيص الملاقاة والكرية بهذه الدقة العقلية غير متيسر في المقام، نعم لو حصل القطع بذلك فهو امر آخر، وانما المدار في هذه الموارد على الدقة العرفية والتشخيص العرفي للملاقاة والكرية.
واما محل الكلام، فهو ما اذا حصلت الملاقاة والكرية معا على نحو المقارنة.
فهل يحكم بطهارة الماء حينئذ ام لا؟
قد حكم السيد بالطهارة في هذه الصورة.
فينبغي البحث عن ان ادلة اعتصام الكر هل تدل على اعتبار تقدم الكرية على الملاقاة في حصول الاعتصام ام لا؟
ومضافا الى ما تقدم امس، فلا بد من ملاحظة اطلاق ادلة الاعتصام، وهل يستفاد منها لزوم سبق الكرية على الملاقاة، او انها خالية عن الدلالة على هذا الشرط، وان الكرية مانعة عن الانفعال ولو حصلت مقارنة للملاقاة.
وظاهر كلام صاحب العروة هو الثاني، حيث حكم بطهارة هذا الماء، وان كان قد احتاط بالاجتناب.
ومنشأ هذا الاحتياط احتمال اعتبار تقدم الكرية في تحقق الاعتصام.
وقد ذهب بعض الاعلام الى الحكم بنجاسة هذا الماء.
وينبغي النظر في مستندهم.
فان كان المستند وجها عقليا، بدعوى ان العقل يقتضي تقدم الموضوع على حكمه، لان ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له.
وحيث ان موضوع الحكم بعدم الانفعال هو كرية الماء حال الملاقاة، فلا بد من تحقق الكرية خارجا قبل الملاقاة، حتى يترتب عليها الحكم بعدم الانفعال، وفي المقام حيث لا سبق، يتعين الحكم بالانفعال.
فالجواب عنه ان تقدم الموضوع على الحكم انما هو بحسب الرتبة لا بحسب الزمان، بل الموضوع والحكم متقارنان زمانا دائما، كما في العلة والمعلول، فانهما متقارنان زمانا، وان كانت العلة متقدمة رتبة على المعلول.
فلا يعتبر التقدم الزماني للموضوع، بل هو غير معقول.
ومن هنا ذكروا في بحث الترتب ان التقدم الزماني غير معتبر، فان الامر بالمهم وان كان مترتبا على عصيان الامر بالاهم، الا ان ذلك لا يقتضي تقدم العصيان زمانا على الامر بالمهم، لان الموضوع انما يتقدم رتبة لا زمانا، فيمكن تحقق عصيان الامر بالاهم، ونفس الامر بالمهم، وامتثاله، في زمان واحد، مع تقدم بعضها على بعض رتبة.
وان كان مستندهم مقام الاثبات، بدعوى ان الروايات تدل على اعتبار السبق والتقدم، فهذا ينافي اطلاقات الاخبار.
فان الروايات، كما تقدم، مطلقة في اعتصام الكر، سواء تقدمت الكرية على الملاقاة ام قارنتها.
وقد تقدم منا امس ان بعض وجوه الاستدلال بمفهوم الروايات ربما يقتضي اعتبار المقارنة.
وهنا يقع الكلام في انه عند دوران الامر بين الاطلاق والمفهوم، ايهما يقدم؟
فان تم المفهوم من جميع الجهات، كان اخص دلالة، لانه ناظر الى نفي الحكم عما عدا مورد القيد، فيقدم على الاطلاق، بخلاف الاطلاق، فانه مستفاد من مقدمات الحكمة.
الا ان يقال: ان استفادة شرطية المقارنة لم تكن من نفس المفهوم، بل من لازم المفهوم، فلا تكون دلالته بقوة دلالة نفس المفهوم.
فاذا كان المفهوم صريحا ومباشرا، قدم غالبا على الاطلاق، اما لازمه العقلي او العرفي فدلالته اضعف، لان الاطلاق ظهور مباشر في الشمول، ولازم المفهوم ظهور تبعي غير مباشر.
وعليه، فالظاهر تقديم الاطلاق، الا اذا كان ذلك اللازم في غاية الوضوح بحيث يعده العرف نفس مفاد الكلام.
وقد ظهر لنا بعد المراجعة ان هذا المقدار من الوضوح غير متحقق في مفاهيم هذه الروايات.
ثم هل يمكن الجواب عن هؤلاء ايضا بالقاعدة الكاظمية؟
الظاهر نعم، لانه على هذه القاعدة لا يعتبر احراز عنوان الكرية خارجا قبل الملاقاة، بل المدار على احراز التغير، او احراز وقوع الملاقاة حال كون الماء قليلا راكدا، وكلاهما منتف في المقام.
فحينئذ يكون المرجع قاعدة الطهارة، ويحكم بطهارة هذا الماء.
















ثبت دیدگاه