اصول – مباحث الفاظ – جلسه 8
المبعد الاول عن بطلان مسلك التعهد
لو كانت الدلالة الوضعية، او وضع الالفاظ، مبتنية على التعهد، للزم ان لا تتحقق الدلالة اللغوية ما لم تتحقق تلك التعهدات العقلائية، مع ان هذا اللازم باطل.
فانا نرى ان اللغة والالفاظ قد تشكلت منذ ابتداء الحياة الادراكية للانسان، بل حتى في مرحلة الطفولة، وهذا شاهد وجداني واضح على بطلان مسلك التعهد.
المبعد الثاني
لو كان منشأ الدلالة الوضعية هو التعهد العقلائي، للزم انه لو تكلم الانسان واستعمل لفظا في غير معناه الحقيقي بلا قرينة، لوجد في نفسه احساسا بمخالفة ذلك التعهد؛ لان المفروض ان حقيقة التعهد هي الالتزام الوجداني بعهد وقرار معين.
مع ان الوجدان لا يشهد بوجود مثل هذا الاحساس في نفس المتكلم.
وهذا بخلاف نقض العهد والميثاق في العقود والعهود، فان مخالفتها تعد نقضا للعهد وتوجب الذم واللوم.
واما في باب اللغة والوضع، فليس استعمال المجاز بلا قرينة موجبا للشعور بنقض العهد والذم فقط، بل قد يكون ذلك الاستعمال سببا في جمال الكلام وبلاغته.
وهذا شاهد واضح على ان الدلالة الوضعية ليست مبتنية على التعهد.
المبعد الثالث
اننا نرى ان من اقسام وضع الالفاظ الوضع التعيني الناشئ من كثرة الاستعمال، بل لعل اكثر المعاني اللغوية قد نشأت من هذا الطريق.
وذلك بان يستعمل اللفظ في البداية في معنى غير حقيقي مع وجود القرينة، ثم بسبب كثرة الاستعمال وشيوع ذلك المعنى ينتقل الذهن الى ذلك المعنى من دون قرينة.
وقد يبلغ الامر حدا بحيث لو اراد المتكلم من ذلك اللفظ معناه الاول والحقيقي لاحتاج الى قرينة تدل عليه.
فهذا يكشف عن ان منشأ تحقق الوضع والدلالة ليس هو الاعتبار ولا التعهد، بل مجرد كثرة الاستعمال والانس الذهني قد يكون كافيا في ذلك.
وهذا الاشكال يرد على مسلك التعهد، كما يرد على مسلك الاعتبار بنحو ما. فتامل.
نعم، قد اجيب عن هذا الاشكال بان كثرة الاستعمال التي حصلت في البداية كانت مبتنية على وضع سابق، ولو كان ذلك الوضع في معنى آخر، ثم بسبب كثرة الاستعمال نشأ المعنى الجديد وصار ذلك الاستعمال منشأ لوضع جديد.
وعليه، فبعد البحث عن مسلك القرن الاكيد سنبين ان اقوى النظريات في باب الوضع هو مسلك الاعتبار، ولكن مع ضم الملازمة الذهنية التي يمكن استفادتها من مسلك القرن الاكيد.
البحث في مسلك القرن الاكيد
يمكن استفادة مسلك القرن الاكيد من ظاهر كلمات المرحوم آقا ضياء العراقي وبعض الاعاظم المعاصرين.
فقد ذهبوا الى ان حقيقة الوضع التي هي منشأ الدلالة الوضعية عبارة عن ايجاد اقتران مؤكد بين اللفظ والمعنى.
فاذا حصل بين اللفظ والمعنى اقتران شديد، انتقل الذهن بطبعه من اللفظ الى المعنى، وهذا هو عين انسباق المعنى من اللفظ.
فهذا الانتقال انما يحصل على اساس قانون طبيعي في قوة الادراك والتصور عند الانسان، وهو قانون اودعه الله تعالى في وجود الانسان.
توضيح هذا القانون
ان الانسان اذا ادرك شيئا بالحس، حصلت صورته في ذهنه، وحتى لو زال ذلك الشيء الخارجي بقيت صورته الذهنية.
كما ان الذهن ينتقل من الامور المتشابهة، او من الامور التي كانت مقترنة ومصاحبة بعضها لبعض.
فكما ان التجربة المعروفة قد بينت ان افراز اللعاب عند الكلب كان في البداية مقارنا للطعام وصوت الجرس، ثم بعد مدة صار مجرد سماع الجرس موجبا لذلك الاثر، فكذلك الامر في باب الالفاظ.
فمثلا الطفل الذي يسمع لفظ “شير” مرارا مقارنا لرؤية الحليب، يحصل في ذهنه اقتران قوي بين هذا اللفظ وبين ذلك المعنى.
خلاصة خصائص مسلك القرن الاكيد
بناء على هذا المسلك، للدلالة الوضعية ثلاث خصائص مهمة:
الاولى:
ان الوضع امر تكويني لا اعتباري.
حتى في الوضع التعييني، فان اعتبار الواضع ليس الا انشاء، ودوره تقوية ذلك الاقتران التكويني وتاكيده.
الثانية:
ان الدلالة الوضعية على هذا المسلك دلالة تصورية، ولا تشمل الدلالة التصديقية.
اي ان العلاقة انما هي بين تصور اللفظ وتصور المعنى، لا بين اللفظ وقصد المتكلم.
الثالثة:
ان العلم بالوضع ليس شرطا.
فبمجرد تحقق الاقتران في الذهن تتحقق الدلالة الوضعية، ولو لم يكن الشخص ملتفتا تفصيلا الى ان هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى.
فان الاقتران بين تصور اللفظ والمعنى يوجب انتقال الذهن من تصور اللفظ الى تصور المعنى.
بل قد يكفي مجرد احساس اللفظ، كالاستماع اليه، من دون تصور تفصيلي له، في انتقال القوة الادراكية للانسان الى المعنى.
ولهذا فان الانسان حين يتكلم مع نفسه ايضا ينتقل من الالفاظ الباطنية الى المعاني بهذا الطريق.
الاشكال
لو كان ملاك الوضع هو الاقتران المؤكد، للزم تحقق ذلك في الحيوانات ايضا؛ لان صوت الحيوان غالبا ما يكون مقارنا له، ومع ذلك لا يقال ان هذا الصوت صار موضوعا لذلك الحيوان بوضع لغوي.
وكذلك قد يعلم الانسان بعض الفاظ لغة اجنبية، ويحصل في ذهنه الاقتران بين اللفظ والمعنى، ولكن ذلك اللفظ لا يعد من الفاظ لغته.
كما نرى اختلاف اسماء الاجناس والافعال والتراكيب في اللغات المختلفة.
الجواب
في مسلك القرن الاكيد لا يكفي مجرد الاقتران، بل لابد من ضم شرط القبول العرفي ايضا.
اي لابد ان يكون اهل اللغة قد قبلوا هذا الاقتران وعدوه جزءا من نظام لغتهم واستعملوه على اساسه.
وعليه، تكون حقيقة الوضع بناء على هذا المسلك:
ايجاد القرن الاكيد بين اللفظ والمعنى مع قبول العرف لذلك الاقتران.
الاشكالات على مسلك القرن الاكيد
الاشكال الاول
ان مسلك القرن الاكيد قد جعل في الحقيقة نفس نتيجة الوضع، اي المعنى الاسم المصدري للوضع، حقيقة الوضع، مع ان المرحلة الاولى للوضع، اي المعنى المصدري له، هي الامر الذي يكون سببا لتحقق تلك النتيجة.
وبعبارة اخرى: ان هذا المسلك خلط بين عملية الوضع وبين اثرها ونتيجتها.
الاشكال الثاني
ان الشرط الذي اضيف الى هذا المبنى، وهو:
القرن الاكيد مع القبول العرفي
يرجع في الحقيقة الى نفس اعتبار الواضع.
فانهم لما لم يريدوا جعل الاعتبار حقيقة الوضع ومنشا تحقق الملازمة والاقتران، اضافوا قيد القبول العرفي.
مع ان القبول العرفي هو نفس ما يتحقق في عملية الوضع الاعتباري.
والسؤال هنا: هل الوضع واعتبار الواضع شيء غير هذا القبول العرفي؟!
وكذلك انكم فرقتم بين الملازمة الذهنية والقرن الاكيد، وجعلتم الملازمة الذهنية متفرعة على القرن الاكيد.
ولكن في عالم التكوين، هل يوجد شيء وراء ان الواضع جعل اللفظ للمعنى وحصلت الملازمة الذهنية؟
فانكم تجعلون انشاء الواضع سببا للقرن الاكيد، وتجعلون الملازمة امرا ذهنيا وتكوينيا، وعليه فلا يبقى شيء آخر وراء هذين الامرين.
ومن هنا يظهر ان المرحوم آقا ضياء قد التفت الى هذه النكتة، ففرق بين عملية الوضع وبين نتيجتها، وهي الملازمة.
النتيجة النهائية
كما تقدم، فان نظرية المشهور من العلماء، وهي مسلك الاعتبار، لعلها اكمل النظريات في حقيقة الوضع، والاشكالات الواردة عليها قابلة للدفع.
اقول
فتلخص مما ذكرنا: ان جعل اللفظ للمعنى يسمى وضعا، ونتيجة هذا الوضع هي ايجاد الملازمة الذهنية والاقتران بين اللفظ والمعنى.
وعلى اساس تكامل مسلك الاعتبار:
اذا كان الشخص عالما بالوضع، تحققت له الملازمة الذهنية، واما اذا لم يكن عالما بالوضع فلا تحصل له تلك الملازمة.
واما القرن الاكيد، فقد يحصل في نفس الانسان من دون التفات تفصيلي، وقد يشعر به الانسان في وجدانه ، فتدبر جیدا .
















ثبت دیدگاه