اصول – مباحث الفاظ – جلسه 45
ثمرة البحث في الصحيح والاعم
ذكروا لهذا البحث ثمرتين: احداهما بلحاظ الاصل اللفظي، والاخرى بلحاظ الاصل العملي.
الثمرة الاولى: بلحاظ الاصل اللفظي
وهذه الثمرة ترجع الى التمسك باطلاقات الادلة وعموماتها الواردة في الاحكام المترتبة على هذه الاسماء والعناوين.
فعلى القول بالصحيح يكون مسمى الفاظ العبادات مختصا بالفرد الصحيح، و لذلک قالوا : اذا شك في دخل قيد من القيود، لم يجز نفيه بالتمسك باطلاق الادلة.
فلو شك في اعتبار شرط خاص في العقد، او في صحة الصلاة في لباس معمول من غير مأكول اللحم، لم يجز التمسك باطلاق مثل قوله تعالى: احل الله البيع، واوفوا بالعقود، واقيموا الصلاة، لنفي دخل ذلك القيد المشكوك.
وذلك لان الشك في دخل القيد يستلزم الشك في صدق الاسم، فيكون التمسك بالعام او المطلق من قبيل التمسك به في الشبهة المصداقية، وقد اشتهر بين الاصوليين عدم جوازه. وانما يرتبط ذلك بمبنى الصحيح لان هذه الموارد عنده من صغريات تلك القاعدة، بخلاف الاعمي، حيث قيل انها ليست منها.
ولكن يمكن ان يقال: ان اصل هذا التقريب غير تام، لان التمسك بالاطلاق انما هو بمقدمات الحكمة، والبحث في الصحيح والاعم انما هو في اطلاق اللفظ على الصحيح ومصاديقه، لا في مقام الوضع، فلا تكون تلك القيود دخيلة في الوضع، وانما تؤثر في مقام الظهور، وهناك يكون المدار على مقدمات الحكمة واطلاق الخطاب، وهو جار حتى على مبنى الصحيح، فلا وجه للمنع منه.
واما على القول بالاعم، فیقال: ان عنوان العبادة يصدق ولو مع فقد بعض القيود غير الركنية، فاذا شك في اعتبار قيد، امكن نفيه بالتمسك باطلاق الادلة، سواء في المعاملات من جهة الصحة والحلية، ام في العبادات من جهة الامر، لان الاطلاق يشمل الفاقد لذلك القيد ايضا، وسكوت الشارع عن ذكره ظاهر في عدم اعتباره.
غير انه يمكن ان يقال: ان هذه الثمرة ايضا نادرة الفائدة عملا.
اقول: قد تقدم منا ان هذا الكلام ناشئ من الخلط في اصل محل النزاع، فان البحث في الصحيح والاعم انما هو في اطلاق الشارع على المصاديق الخارجية، لا في وضع اللفظ للصحيح او للاعم، ولا في الموضوع له.
وعليه، فليس لاحد من الصحيحي والاعمي ان يتمسك بالوضع في الشبهة المصداقية عند الشك، والتأمل اليسير يكشف عن ذلك بوضوح. فتأمل جيدا.
نعم، قد یقال : ان الصحيحي قد يتمسك في بعض الموارد بالاطلاق المقامي، اذا تمت مقدماته.
والمراد بالاطلاق المقامي ان يكون الشارع او المولى في مقام بيان جميع قيود المركب واجزائه، ثم يقتصر على بيان مقدار معين منها، مع كونه في مقام البيان التام.
فعندئذ ينعقد ظهور حالي في انه لو كان هناك قيد آخر لذكره، فيثبت الاطلاق المقامي، ويجوز للصحيحي التمسك به، لان البحث حينئذ ليس في اطلاق اللفظ والمسمى حتى يلزم الاشكال بالشبهة المصداقية.
ومقدمات الاطلاق المقامي امران:
الاول: احراز كون المتكلم في مقام الحصر والبيان التام.
الثاني: كون الخطاب واردا لبيان جميع الاجزاء والشرائط.
واما الاطلاق اللفظي فلا يتوقف على ذلك، لان نفس اللفظ المطلق ظاهر في نفي القيد غير المذكور، وهذا الظهور حجة.
ولكن التحقيق ان هذا البيان ايضا غير تام، لان البحث في الصحيح والاعم انما هو في مقام استعمال الشارع بالنسبة الى المصاديق الخارجية، وعليه فجريان الاطلاق اللفظي لا ينافي مبنى الصحيح، بل لو كان هناك اشكال فانما يتوجه على مبنى الاعم في مقام التمسك بالاطلاق.
الثمرة الثانية: بلحاظ الاصل العملي
ذكر صاحب الكفاية انه على القول بالصحيح، لما كان الصحيحي يصور للعبادة جامعا واحدا، كان الشك في تحققه من قبيل الشك في المحصل، فيكون مجرى لاصالة الاحتياط.
واما على القول بالاعم، فلما كان الجامع عنده جامعا تركيبيا، كان الشك من قبيل الاقل والاكثر الارتباطيين، فيكون مجرى لاصالة البراءة.
وتوضيح ذلك: انه على القول بالصحيح، اذا شك في دخل جزء او شرط في صحة العبادة، ولم يكن دليل لفظي يرفع الشك، اقتضى الاصل العملي الاحتياط، لان اسم العبادة موضوع لخصوص الفرد الصحيح، فيوجب الشك في الجزء او الشرط الشك في صدق عنوان العبادة، فلا بد من الاحتياط لتحصيل اليقين بامتثال المأمور به.
ولكن يرد عليه ان هذه الثمرة ايضا غير تامة، لما تقدم مرارا من ان محل النزاع في الصحيح والاعم انما هو في صدق العنوان على المصداق الخارجي.
اولا: قد تقدم ان الصحيحي لا يحتاج في الاساس الى تصوير جامع.
وثانيا: ان الشك في المقام يرجع الى المصاديق الخارجية، بان يشك في ان المأمور به في الخارج هل هو ذو تسعة اجزاء او عشرة، فيكون البحث من صغريات الاقل والاكثر الارتباطيين في المركب الخارجي، لا من مباحث الوضع، لان الموضوع له للفظ الصلاة حقيقة واحدة.
وعليه، فهذه الثمرة انما تتجه على مبنى الصحيح، ولكن بلحاظ تحقق المركب الخارجي، لا بلحاظ وضع اللفظ.
واما ما قيل من ان الاعمي يصور جامعا تركيبيا كالأركان او اكثر الاجزاء، فيجعل الشك من قبيل الاقل والاكثر، فغير تام، لان تصوير مثل هذا الجامع عندنا غير ممكن، لما بين افراد الصلاة من التباين.
مضافا الى ان محل البحث انما هو عالم المصداق والمركب الخارجي، وهذا بعينه مما يمكن تصويره على القول بالصحيح.
فتحصل ان ما ذكروه من الثمرات للنزاع في الصحيح والاعم لا يخلو عن مناقشة، ولا يشتمل على الدقة الفنية اللازمة، وبه يظهر الحال في نظائر هذه الاشكالات المذكورة في كلمات غير واحد من الاصوليين.
بل الحق ان هذه الثمرات ـ لو سلم ثبوتها ـ فهي راجعة في الحقيقة الى مبنى الصحيح، لا الى مبنى الاعم، لان مباحث البراءة والاحتياط والاقل والاكثر الارتباطيين ترتبط بمقام تحقق العنوان الخارجي ومصاديق المركب.
وقد تقدم منا مرارا ان محل النزاع انما هو في ان الشارع هل اطلق الالفاظ الشرعية في مقام الاستعمال على الفرد الصحيح من العبادة، او على الاعم من الصحيح والفاسد.
وبالتأمل في ذلك يظهر ان كثيرا من الثمرات، بل وجملة من الخلط الواقع في كلمات الاصوليين، ناشئ من عدم التفكيك بين هذين المقامين.
















ثبت دیدگاه