اصول – مباحث الفاظ – جلسه 43
كان الكلام في الصحيح والاعم. وقد تم البحث الى هنا في مقام الثبوت، وبقي اهم جهات المسألة، وهو مقام الاثبات، فلننظر ما هي ادلة القائلين بالصحيح والقائلين بالاعم في هذا المقام.
من جملة ما استدل به الصحيحيون الارتكاز العرفي والوجدان. فان العرف اذا قال: “صل”، لا يطلق هذا اللفظ على الفرد الفاسد. فلو قيل للناس: “ان فلانا صلى”، ثم علم ان صلاته كانت فاقدة للركوع، قالوا: “هذه ليست بصلاة”. فمبدأ القول بالصحيح هو الوجدان العرفي، بل كأنهم يقولون: ان هذا القول لا يحتاج الى اقامة برهان.
واستدلوا ايضا بان كل واضع اذا اخترع حقيقة، وضع اللفظ لتمام تلك الحقيقة. والشارع المقدس لما شرع الصلاة، وضع لفظ الصلاة لتلك الحقيقة التامة، فكان اطلاق الصلاة اولا على الصحيح خاصة.
وقد تقدم منا انه على القول بالاشتراك المعنوي لا بد من تصوير جامع، واما على القول بالحقيقة الادعائية، وهو المختار عندنا، فيثبت القول بالصحيح، ولا حاجة معه الى تصوير جامع. بل حتى على فرض الالتزام بالاشتراك المعنوي، لا يبعد ان يقال: ان الصحيحي لا يحتاج ايضا الى جامع، وان كنا قد صورنا فيما سبق جامعا مناسبا على مذهبه.
ومن اهم ما اورده الصحيحيون على الاعمي انه لا بد له من تصوير جامع حقيقي بين الصحيح والفاسد، مع ان ذلك متعذر؛ لان الصحيح حقيقة ذات اثر شرعي، والفاسد فاقد لذلك الاثر، بل فاقد للحقيقة المعتبرة، فلا جامع حقيقيا بين حقيقتين مختلفتين.
فاذا اراد الاعمي ان يجعل اللفظ صادقا عليهما معا، فلا بد ان يبين ذلك الجامع، ونحن نقول: لا سبيل اليه، لا جامعا حقيقيا، ولا جامعا انتزاعيا كعنوان المطلوبية.
ولو قال في مقام الدفاع: ان الجامع هو عنوان المطلوبية، او المحبوبية، او مطلق الماهية المطلوبة عند الشارع، قلنا: هذا بعينه يرجع الى مذهب الصحيحي؛ لان المطلوبية فرع الصحة، فما لم يكن صحيحا لا يكون مطلوبا ولا محبوبا عند المولى، فلا يصلح هذا الجامع لتأييد القول بالاعم.
ويقرب ذلك بما اذا اخترع الطبيب دواء، فانه يجعل الاسم للدواء المؤثر، لا للدواء الفاسد، وكذلك الشارع، فانه وضع الفاظ العبادات للعبادات الصحيحة، لا للفاسدة.
فان قال الاعمي: انكم ايها الصحيحيون ايضا لا تملكون جامعا، قلنا:
اولا: قد تقدم منا تصوير جامع حقيقي ذي مراتب.
وثانيا: انا لا نحتاج الى الجامع؛ لان الموضوع له هو الصحيح نفسه، فجامع الصحيح هو هويته الخاصة، وهي امر وجداني.
بل لو فرض ان الاعمي استطاع تصوير جامع بين الصحيح والفاسد في مقام الثبوت، فهو غير قابل للتحقق في مقام الاثبات والخارج، فيلزم توقف الوضع للاعم على امر متعذر.
واستدل الصحيحيون ايضا بان وضع الشارع واطلاقه انما هو على اكمل افراد العبادة، واما استعمال اللفظ في الناقص فمن باب المجاز او التنزيل، كما تقدم بيانه في الحقيقة الادعائية، فان الاطلاق الحقيقي انما هو على الصحيح.
وعليه، فلو ادعى الاعمي وقوع الاستعمال في الاعم في بعض الموارد، كان ذلك من باب التوسع العرفي والمجاز، لا ان الوضع الاول كان للاعم.
وقالوا ايضا: ان القول بالاعم قول شاذ بين الاعلام، لا يساعده العرف ولا العقل.
فتحصل ان الجامع، لو فرض وجوده، لا ينفع الاعمي في مقام الاثبات، بل يؤيد الصحيحي؛ لان الفاسد ليس حقيقة مستقلة، بل هو مرتبة فاقدة لما به قوام الصحيح، وقد تقدم ان حقيقة العبادة ذات مراتب، والفاسد لا حقيقة مستقلة له.
واما ما استدل به الاعمي، فلا يخلو من ضعف، بل الصحيحي يدعي انه لم يشخص محل النزاع تشخيصا تاما.
فاول ما استدلوا به تبادر المعنى الاعم.
وهذا الدليل في غاية الضعف، ولا يحتاج الى كثير جواب.
قالوا: اذا سمعنا لفظ الصلاة، تبادر منه الاعم من الصحيح والفاسد.
وفيه: انا لا نجد هذا التبادر وجدانا. على انه لو سلم في بعض الموارد، فهو ناشئ من قرائن سابقة مرتكزة في الذهن، وقد تقدم ان التبادر انما يكون حجة بعد احراز عدم القرينة.
فعلى الاعمي ان يثبت اصل وجود هذا التبادر، ومجرد الدعوى لا يكفي، لان التبادر بنفسه محل النزاع.
والصحيحي يدعي ان العرف اذا سمع قوله: “صل”، لم يفهم الا الصلاة الصحيحة، فكيف يدعى تبادر الاعم مع عدم صورة واضحة له في الذهن؟
بل لو اردنا تصور الجامع الاعم، لم نجد له صورة ذهنية معينة، بخلاف الصلاة الصحيحة، فان صورتها واضحة مرتكزة في الاذهان، ويشهد لها الفهم العرفي والارتكاز العقلائي.
فالحاصل ان الوجدان، والتحليل العقلي والاصولي، يمنعان من دعوى تبادر الاعم، بل نقول: ان تبادره في نفسه غير معقول؛ لعدم وجود صورة ذهنية معينة ينسبق اليها اللفظ.
















ثبت دیدگاه