اصول – مباحث الفاظ – جلسه 29
ذكر المحقق الرشتي هنا نكتة لطيفة، وحاصلها: انه اذا استعمل اللفظ في اكثر من معنى، فلا بد ان يكون الحكم المترتب عليه استقلاليا. واما اذا استعمل في معنى مركب، كان الحكم المترتب عليه ضمنيا.
وتوضيح ذلك: لو كان لشخص عبدان كلاهما يسمى زيدا، فقال: «بعتك زيدا بدرهمين»، مع قيام القرينة على ان المراد كلا العبدين.
فتارة يكون مراده استعمال لفظ «زيد» في معنى واحد مركب، وهو مجموع العبدين، فعندئذ يكون الثمن للمجموع درهمين، ولا يكون الحكم انحلاليا.
واخرى يكون قد استعمل لفظ «زيد» في كل واحد من العبدين استقلالا، فيكون بمنزلة قوله: «بعتك هذا زيدا وبعتك ذاك زيدا»، وعليه يكون الثمن اربعة دراهم.
فحاصل كلامه ان الاستعمال في اكثر من معنى يقتضي استقلال كل واحد من المعنيين في الاستعمال، فيكون الحكم ايضا استقلاليا.
ومن هذا القبيل قوله: «ائتني بعين»، فان اريد من العين المعنى المركب من الذهب والفضة، كان وجوب الاتيان بهما وجوبا واحدا، وكان وجوب كل واحد منهما ضمنيا.
واما اذا استعمل لفظ «العين» في الذهب استقلالا، وفي الفضة استقلالا، كان بمنزلة قوله: «ائتني بذهب، وائتني بفضة»، فيثبت حكمان مستقلان على نحو الانحلال.
فالظاهر ان العرف اذا رأى اللفظ مستعملا في معنى مركب، حمل الحكم على الوحدة، ولم ير فيه انحلالا. واما اذا استعمل في معان متعددة على نحو الاستقلال، كان الظاهر العرفي ان الحكم ايضا ينحل بتعددها.
وخلاصة الكلام: ان النكتة الاساسية في المقام هي التفكيك بين مقام الاستعمال ومقام الارادة الجدية، وان الميزان النهائي عند العرف هو الظهور الاستعمالي.
وانما قلنا: مقام الارادة الجدية، لانه قد يقال: لا ملازمة بين استقلال الاستعمال او ضمنيته، وبين استقلال الحكم او ضمنيته، لان مقام الاستعمال غير مقام الجعل والارادة الجدية.
فقد يستعمل اللفظ في معنى مركب، ثم يجعل الشارع او المتكلم احكاما متعددة لاجزائه.
وبالعكس، قد يستعمل اللفظ في معان متعددة، ثم يجعل عليها حكما واحدا ارتباطيا.
ومن امثلة الاول قوله تعالى: «كتب عليكم الصيام»، فان لفظ «الشهر» في «شهر رمضان» اسم لمجموع ايامه، ومع ذلك فان وجوب الصوم ثابت لكل يوم على نحو الاستقلال.
فمع كون اللفظ مستعملا في الكل، كان الحكم متعددا بلحاظ الاجزاء.
ومن امثلة الثاني قوله: «اغسل راسك ثم الجانب الايمن ثم الايسر»، فان الالفاظ قد استعملت في متعلقات متعددة، ومع ذلك فالحكم واحد ارتباطي.
وانما ذكرنا ذلك ليتضح الفرق بين مقام الاستعمال ومقام المراد الجدي.
وهذا التفصيل في نفسه ممكن عقلا، غير ان المرجع عند الدوران هو العرف، فانه يتبع الظهور الاستعمالي، لا مجرد الامكان العقلي. فافهم.
فقد انتهينا الى ان استعمال اللفظ في اكثر من معنى لا مانع منه لا عقلا ولا عرفا.
وقد قيل: «ادل الدليل على امكان الشيء وقوعه»، واحسن ما يستدل به على الامكان وقوعه في الخارج.
وبالتأمل في كلام فصحاء العرب واشعارهم يظهر ان هذا النوع من الاستعمال قد وقع حقيقة، وان كان يمكن توجيه بعض موارده، وربما وقع الخلط فيها بين مقام الاستعمال ومقام الجد.
ومن شواهد ذلك:
قول الشاعر:
«اذا طعنت في صدرها قالت: قراتك»
فان لفظ «القرء» استعمل في الطهر والحيض معا، واراد الشاعر كلا المعنيين، ليشير الى الحال الواقعة بينهما.
ومنها قوله:
«وليل كموج البحر ارخى سدوله…»
فان لفظ «الليل» استعمل في الليل وفي الظلمة معا.
ومنها قوله:
«واقبل سيف الدهر يقطع نصله»
فان لفظ «السيف» استعمل في السيف الحقيقي، وفي شدائد الزمان ايضا.
وكذلك قول الشاعر:
«المرء في الدجى والمبتلى بعمى
والمشتكي ظما والمبتغي دينا
ياتون سدرة من كل ناحية
يستقون من مغناه عينا»
فمن كان في الظلمة استفاد من نور النبي، ومن كان اعمى نال منه البصر، ومن كان ظمآنا وجد عنده العين الجارية، ومن كان محتاجا الى المال نال منه الذهب والفضة.
فقد استعمل لفظ «العين» في اكثر من معنى في سياق واحد.
ولذلك ذهب بعض الاعلام، كصاحب كتاب «وقاية الاذهان» الشيخ محمد رضا النجفي الاصفهاني، الى ان من انكر استعمال اللفظ في اكثر من معنى فهو فاقد العين.
وبعد الفراغ عن اثبات امكان هذا الاستعمال عقلا وعرفا، ذهب بعض الاصوليين الى انه وان كان ممكنا، الا انه استعمال غير صحيح.
وذهب آخرون الى انه خلاف غرض الواضع.
وقال جماعة: انه خلاف الظاهر العرفي.
وسيأتي الكلام في جميع هذه الوجوه في المباحث الآتية ان شاء الله.
















ثبت دیدگاه