اصول – مباحث الفاظ – جلسه 25
الاشكال الثاني على التبادر (اشكال اثباتي)
لكي يكون التبادر علامة على المعنى الحقيقي، لا بد ان يكون ناشئا من حاق اللفظ نفسه، لا من قرينة ولا من انس ذهني. غير انه قد يعرض ان ينتقل الذهن إلى معنى خاص بسبب كثرة الالف والعادة في استعمال اللفظ فيه، مع ان ذلك المعنى ليس هو المعنى الحقيقي.
فمثلا، اذا سمع اهل الحوزة لفظ “العالم” انصرف ذهنهم إلى العالم الديني، مع ان معناه الحقيقي اعم من العالم الديني وغيره. فمثل هذا التبادر ناشئ من الانس الذهني، لا من دلالة اللفظ على معناه الحقيقي، فلا يصلح علامة للحقيقة.
وعليه، فمتى احتمل ان يكون التبادر مستندا إلى الانس الخاص، وجب الرجوع إلى عرف اهل اللسان، لينظر هل هذا المعنى متبادر عندهم ايضا، او ان التبادر مختص بذهن شخص بعينه.
والجواب:
اذا كان الشخص من اهل ذلك العرف، كان تبادره الشخصي بعينه تبادرا نوعيا؛ لان بناء العقلاء قائم على اصالة التطابق بين فهم الفرد الخبير باللغة وفهم عامة اهل العرف.
وبعبارة اخرى: ان العقلاء يبنون على ان تبادر اهل اللسان مطابق لتبادر نوع اهل اللغة، فيكون تبادره الشخصي كاشفا وحجة عقلائية على التبادر النوعي.
اشكال آخر
ذكر شیخنا الاستاذ جدی المعظم الفقیه المحقق الصافي قدس سره ان التبادر ليس علامة على الوضع، بل هو نفس الوضع؛ لان التبادر عين دلالة اللفظ على المعنى. والمراد من الوضع اعم من الوضع التعييني والتعيني، وفي كل منهما ترجع حقيقة الوضع إلى دلالة اللفظ على المعنى، سواء حصلت هذه الدلالة بجعل الواضع، ام نشأت من كثرة الاستعمال.
قد تقدم ان استعمال اللفظ في معناه الموضوع له حقيقة، واستعماله في غيره لعلاقة بين المعنى الحقيقي وغيره مجاز، كما في قولنا: “رأيت اسدا يرمي”، حيث استعمل لفظ “الاسد” في الرجل الشجاع.
كما تقدم انه يمكن ان يدعى في موارد المجاز ايضا ان اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، غاية الامر ان المتكلم ينزل الفرد المقصود منزلة افراد ذلك المعنى ادعاء، فيكون الفرق في كيفية اللحاظ، لا في تبدل المعنى.
ثم ذكرنا انه اذا شك في الحقيقة والمجاز، فان كان المعنى الحقيقي معلوما حمل اللفظ عليه ما لم تقم قرينة على ارادة المجاز. واما اذا شك في تعيين المعنى الحقيقي، فلا بد من الرجوع إلى علامات الحقيقة والمجاز.
وقد تقدم الكلام في التبادر، وهو العلامة الاولى.
العلامة الثانية: صحة الحمل وعدم صحة السلب
ذكروا ان صحة الحمل وعدم صحة السلب علامة على الحقيقة، كما ان عدم صحة الحمل وصحة السلب علامة على المجاز.
والحمل على قسمين:
الاول: الحمل الاولي الذاتي، وهو ما كان الاتحاد فيه بين المفهومين، كقولنا: “الانسان حيوان ناطق”، فان الطرفين متحدان مفهوما.
الثاني: الحمل الشائع الصناعي، وهو حمل الكلي على فرد من افراده، كقولنا: “زيد انسان”، فان مفهوم الانسان يحمل على احد مصاديقه.
ومحل الكلام فيما اذا لم يكن الشك في اصل المعنى، بل في سعته وضيق دائرته.
فلو شككنا في شمول لفظ “الصعيد” للتراب في قوله تعالى: فتيمموا صعيدا طيبا، قلنا: “التراب صعيد”. فان صح هذا الحمل ولم يصح سلبه، كشف ذلك عن كون التراب من افراد الصعيد حقيقة.
ان قلت : ان صحة الحمل لا تصلح علامة للحقيقة؛ لان الحمل متأخر عن تصور المعنى، ولا يمكن الحكم بصحته الا بعد معرفة معنى اللفظ. فكيف يجعل طريقا إلى معرفة المعنى مع فرض الشك فيه؟
ففي قولنا: “الانسان حيوان ناطق”، لا يمكن الحكم بصحة الحمل الا بعد معرفة معنى الانسان.
وعليه، فصحة الحمل لا تدل الا على اتحاد المفهومين او اتحاد المفهوم مع مصداقه، سواء كان الاستعمال حقيقيا ام مجازيا.
قلت : ليس المراد بصحة الحمل هنا الحمل المنطقي الدقيق، بل الحمل العرفي والارتكازي، وهو قريب من التبادر.
فان الذهن يركب اللفظ في جملة من غير تحليل سابق لمعناه، فان استحسن الحمل بطبعه، كشف ذلك عن كون المعنى هو المعنى الحقيقي.
فمثلا، اذا قيل: “الانسان بشر”، حكم الذهن بصحة الحمل بلا تكلف، فيعلم ان لفظ “بشر” موضوع لمعنى الانسان.
واما اذا قيل: “الاسد رجل شجاع”، ادرك الذهن ان الحمل مبني على التشبيه والعناية، لا على الحقيقة.
وكذلك اذا قيل: “الماء الطيني ماء”، قبله الذهن، واذا قيل: “الماء الطيني ليس بماء”، استقبحه، فيكشف ذلك عن كون الماء المخلوط بالطين من افراد الماء حقيقة.
واما في مثل عصير الرمان، فاذا قيل: “عصير الرمان ليس بماء”، استحسن الذهن هذا السلب، فيعلم ان لفظ “الماء” لا يصدق عليه حقيقة.
تنبيه
لايقال : ان التبادر اللفظي كاف في معرفة الحقيقة، فلا حاجة إلى صحة الحمل.
فانه یقال : ان التبادر قد لا يحصل بمجرد سماع اللفظ، ولا سيما في الالفاظ التي استقر فهم معانيها من خلال استعمالها في التراكيب والجمل.
ففي مثل هذه الموارد يكون وضع اللفظ في جملة ادعى إلى انسباق معناه إلى الذهن، فتكون صحة الحمل في الحقيقة نوعا من التبادر، لا علامة مستقلة عنه.
















ثبت دیدگاه