فقه – مباحث طهارت – جلسه 18
في الوجه الثاني من القول بنجاسة الماء المردد بين المطلق والمضاف، قد قيل بالتمسك بعمومات أدلة التنجيس وإطلاقاتها، وأن الشك إنما هو في أن هذه العمومات هل خُصِّصت بهذا المورد أم لا، فيتمسك بأصالة عدم التخصيص.
وقد تقدم الجواب مفصلاً بأن التمسك بأصالة عدم التخصيص هنا غير صحيح؛ إذ إن التخصيص تارة يكون من قبيل الشبهة في المخصص المنفصل المجمل، كما إذا دار أمره بين الأقل والأكثر، كأن لا نعلم أن الفاسق هل هو مرتكب الكبيرة فقط أو الأعم منها ومن الصغيرة، ففي مثل ذلك يرجع إلى العام في المقدار المشكوك، لأنه من الشك في مقدار التخصيص.
وأما في ما نحن فيه فليس الأمر كذلك، بل الشبهة مصداقية للمخصص، بمعنى أن الشك في انطباق عنوان الخاص على الفرد، لا في مقدار التخصيص ولا في أصل مفهوم الخاص. وفي مثله لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لعدم إحراز عنوان المخصص وعدم كون الشك راجعاً إلى المفهوم.
إشكال جديد: تقسيم التخصيص إلى تنويعي وتزاحمي
وقد أُشكل بأن التخصيص على قسمين:
الأول: التخصيص التنويعي.
الثاني: التخصيص التزاحمي.
وقيل إن ما ذكرتم من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إنما هو في القسم الأول، وأما في التخصيص التزاحمي فلا مانع من التمسك بالعام.
توضيح التخصيص التنويعي
والمراد بالتخصيص التنويعي أن العام يكون من أول الأمر ناظراً إلى أنواع متعددة، ويكون الخاص بياناً لبعض تلك الأنواع، كما في قوله: «أكرم العلماء»، ثم يقال: «العلماء إما عدول وإما فساق، فأكرم العدول».
ففي مثل ذلك يكون التخصيص راجعاً إلى بيان النوع، لا إلى تزاحم خارجي بين الأحكام، بل هو تضييق في سعة الموضوع من أول الأمر.
توضيح التخصيص التزاحمي
وأما التخصيص التزاحمي فهو ما إذا كان كلا الحكمين مجعولاً في مقام التشريع، إلا أنهما يتزاحمان في مقام الامتثال، فيقدَّم أحدهما على الآخر، كما في قوله: «أنقذ الغريق» و«صلِّ الصلاة في أول وقتها»، إذا لم يتمكن المكلف من الجمع بينهما.
ففي مثل ذلك يقع التزاحم في مقام الامتثال، ويكون أحد الحكمين متقدماً من باب الأهم والمهم أو العناوين الثانوية كالاضطرار والإكراه والنسيان ونحوها، مع بقاء الحكم الواقعي على حاله.
نتيجة الإشكال
فقد قيل إن موردنا من قبيل التزاحم لا من قبيل التخصيص التنويعي، وعليه فلا مانع من التمسك بالعام في المقام.
الجواب
إلا أن هذا البيان غير تام في محل الكلام، فإن الأمر ليس من قبيل ثبوت الحكم في جميع الموارد مع عروض مزاحم في بعضها، بل الحقيقة أن الموضوع بنفسه مختلف.
فالماء إما قليل أو كثير، وأثر الملاقاة للنجس في كل منهما مختلف بحسب الارتكاز العرفي؛ فإن العرف يرى في الماء القليل قابلية السراية والانتشار، بخلاف الماء الكثير الذي لا يرى فيه ذلك.
فليس المقام من باب التزاحم بين حكمين، بل من باب اختلاف الموضوع وتنوعه، بمعنى أن الموضوع بنفسه ينقسم إلى ما يترتب عليه حكم التنجس وما لا يترتب عليه.
وعليه فلا يكون من التخصيص التزاحمي حتى يتمسك فيه بالعام، بل هو من باب تنويع الموضوع، فلا مجال للتمسك بالعموم في الشبهة المصداقية.
تتمة
وأما ما أفاده الشيخ في باب النجاسات من التمسك بقاعدة المقتضي والمانع، فقد تقدم أن هذه القاعدة ليست أصلاً مستقلاً في الأدلة الشرعية، ونزيده توضيحاً:
إنه في باب الأجزاء والشروط والموانع يقال إن المأمور به مركب من أجزاء كالرکوع والسجود، وله شروط كطهارة البدن والاستقبال والطمأنينة، وله موانع كالكلام والفعل الكثير.
إلا أن هذا التقسيم ليس بمعنى جعل مستقل من الشارع لعنوان المانعية أو الشرطية، بل هذه الأمور ثابتة تبعاً لجعل الأمر بالمركب، لا بجعل مستقل بعنوان المانعية أو الشرطية.
نتيجة قاعدة المقتضي والمانع
وعليه، فقولهم إن الملاقاة مقتضٍ للتنجس، والكرّية مانع، إن أريد به العلية التكوينية فخارج عن محل الكلام، وإن أريد به الجعل الشرعي، فلم يثبت جعل مستقل بعنوان المانعية أو المقتضية.
فلا أصل شرعي مستقلاً باسم قاعدة المقتضي والمانع يمكن الاعتماد عليه في المقام.
فتأمل جيداً.
















ثبت دیدگاه