فقه – مباحث طهارت – جلسه 13
قوله: «نعم إذا كان جارياً من العالي إلى السافل…».
قد تقدم في مباحث الماء القليل أنّ المدار في عدم انفعاله، وكذا الماء المضاف، ليس على تساوي السطحين أو علو أحدهما، بل الملاك عند العرف إنما هو الدفع والقوة والجريان، فإنّ ذلك يمنع من صدق الملاقاة المقرونة بالسراية.
وبيانه: أنّ العرف قد يرى في موردٍ تحقق الملاقاة مع السراية، وفي موردٍ آخر لا يرى إلا مجرد الملاقاة دون السراية، لأجل اندفاع الماء وجريانه.
إلا أنّه قد يتوهم أنّ عدم الانفعال في المقام إنما هو من جهة تعدد الماءين عرفاً، فإنّ الماء العالي مع الماء السافل يعدان ماءين مستقلين.
وأقول: إنّ الملاك في المقام ليس إلا عدم السراية، وأما دعوى أنّ العرف يرى هنا ماءين متغايرين فهي في غاية البعد، بل خلاف الوجدان؛ فإنّ الذي يتبادر إلى الذهن العرفي إنما هو عدم انتقال النجاسة بسبب قوة الدفع والجريان، لا تعدد حقيقة الماء.
فتأمل.
وعلى هذا، فلو جعلنا المدار على التعدد، للزم الإشكال في نظائر حياض الحمامات الصغيرة المتصلة بالخزانة الواقعة في الأعلى، فإنّ ماءها غالباً قليل، والعرف مع ذلك يرى ماء الخزانة وماء الحوض قسمين متميزين.
ومع ذلك لا يوجب هذا التعدد العرفي اختلاف الحكم بينهما.
فيكشف ذلك عن أنّ الملاك ليس هو التعدد، وإنما هو عدم السراية الناشئة من وجود المادة والجريان.
ومن هنا كان العرف يفهم في هذه الموارد بعين ما يفهمه في الماء الجاري، فلا موجب لحمل حكم الإمام عليه السلام في حياض الحمام على التعبد المحض.
الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه
ثم إنه لا يخفى أنّ الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه.
والمراد بالتصعيد أن يصير الماء بخاراً ثم يعود ماءً بالتكثيف.
ولا ينبغي الإشكال في أصل الحكم، إلا أن يقال: إنّ الماء الحاصل بعد التصعيد ماء جديد، وقد انعدم الماء الأول وصار معدوماً.
وربما يؤيد ذلك بأنّ البخار غير الماء عرفاً؛ فإنّ الماء مأخوذ فيه السيلان، فإذا عاد البخار ماءً وقع الكلام في ثبوت أحكام الطهارة والطهورية له، لا سيما بناءً على اختصاص الطهورية بالماء النازل من السماء.
وفيه: أنّ العرف لا يرى التصعيد من الاستحالة، بل يرى الماء قبل التصعيد وبعده شيئاً واحداً، ولا يرى تبدلاً في حقيقته.
ونظيره الغبار المتصاعد من التراب، فإنّ أحداً لا يرى الغبار حقيقة مباينة للتراب.
على أنّه لو سلّم كونه ماءً آخر، فلا دليل على اختصاص الطهورية بالماء النازل من السماء، بل هي من أحكام طبيعة الماء بما هي ماء.
وسيأتي تحقيق ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
المضاف المصعّد مضاف
ثم يقع الكلام في أنّ الماء الحاصل من تصعيد الماء المضاف هل يبقى على إضافته أم لا؟
والتحقيق: أنّ المرجع في ذلك إلى العرف؛ فإن صدق عليه عنوان الماء المضاف بعد التصعيد فهو مضاف، وإلا فهو مطلق.
إلا أنّ الموارد تختلف.
فلو مزج الماء بالتراب حتى خرج عن الإطلاق وصار طيناً مائعاً، ثم صعّد وعاد ماءً، فلا ريب في كونه ماءً مطلقاً؛ لأنّ أجزاء التراب لا تصعد مع البخار.
وأما إذا صعّد ماء الرمان أو ماء البرتقال ثم عاد مائعاً، فإن كان من الأجزاء المصاحبة ما يوجب صدق عنوان ماء الرمان أو ماء البرتقال عرفاً، بقي على إضافته.
وكذلك ماء الورد، كما تقدم، فإنّ المدار فيه أيضاً على الصدق العرفي؛ فإن رأى العرف أنّ الأجزاء المصاحبة للبخار توجب بقاء عنوان ماء الورد عليه، كان مضافاً، وإلا فلا.
فالمدار في الجميع على نظر العرف، ولا خفاء في أكثر مصاديقه.
فافهم.
وقد تقدم أيضاً:
«الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه، نعم لو مزج مع غيره ثم صعّد، كماء الورد، يصير مضافاً.»
ومراده ظاهر؛ فإنّ الامتزاج إذا بلغ حداً لا يصدق معه عنوان الماء المطلق بعد التصعيد، بقي مضافاً، وإلا بقي على إطلاقه.
ثم يقع الكلام في مسألة أخرى، وهي من المهمات، وقد تقدمت الإشارة إليها في ضمن المباحث السابقة.
وهي أنّ الماء المطلق أو المضاف إذا كان نجساً، فهل يطهر بالتصعيد أم لا؟
كما ينبغي البحث في أنّ الشك في المقام هل هو من الشبهة الموضوعية أو من الشبهة الحكمية؟
فتارةً يكون منشأ الشك أمراً خارجياً، كما إذا شك في أنّ هذا المائع بعد الامتزاج هل بقي ماءً مطلقاً أو صار مضافاً بحسب نظر العرف.
وأخرى يكون الشك حكمياً، بأن يقع التردد في حدود المفهوم العرفي أو الشرعي للماء.
كما لو مزج اللبن بالماء، ثم شك في أنّ هذا المركب هل يصدق عليه عنوان الماء عرفاً أم لا.
فإنّ مثل ذلك يرجع إلى الشك في سعة مفهوم الماء وحدوده، وهو راجع إلى الحكم الشرعي.
بخلاف الشبهة الموضوعية، فإنّ منشأها الشك في تحقق الموضوع خارجاً، لا في أصل الحكم.
والله العالم.
















ثبت دیدگاه