اصول – مباحث الفاظ – جلسه 40
الامر الثاني: لا يختص النزاع في الصحيح والاعم بالقول بثبوت الحقيقة الشرعية، بل يجري حتى على فرض عدم ثبوتها؛ لان الشارع بلا ريب استعمل الفاظ العبادات والمعاملات في المعاني المتداولة بين المتشرعة.
وعليه فلا بد من البحث عن ان المعنى الذي اطلق عليه اللفظ ـ سواء كان الاطلاق على وجه الحقيقة او المجاز ـ هل يختص بالصحيح ويكون ظاهرا فيه، او يعم الصحيح والفاسد.
وبعبارة اخرى: حتى لو لم نقل بثبوت الحقيقة الشرعية ـ وان كنا قد اخترنا فيما سبق ثبوتها ـ فلا اشكال في ثبوت الحقيقة المتشرعية، وانما الكلام في ان هذه الحقيقة المتشرعية هل هي مساوقة للاستعمال في الصحيح، او انها اعم من الصحيح والفاسد.
ومن الواضح ان المعنى الثابت عند المتشرعة لهذه الالفاظ هو بعينه ما كان مرادا جديا للشارع عند استعماله لها، والمهم انما هو معرفة مراده الجدي، سواء كان استعماله على نحو الحقيقة الشرعية، او على نحو المجاز، او غير ذلك.
فدعوى اختصاص النزاع في الصحيح والاعم بصورة القول بالحقيقة الشرعية، دعوى لا وجه لها.
الامر الثالث: عرف الفقهاء الصحة بما يترتب عليه سقوط الاعادة والقضاء، فقالوا: الصحيح ما لا تجب اعادته ولا قضاؤه.
وعرف المتكلمون الصحة بموافقة الشريعة، والفساد بعدم موافقتها.
ولكن التحقيق ان الصحة والفساد ليس لهما معنى وراء معناهما العرفي واللغوي، وما ذكره الفقهاء والمتكلمون انما هو تعريف باللازم، لا بيان لحقيقة المعنى؛ كما هو الشأن في كثير من المفاهيم.
فالذي دعا الفقيه الى هذا التعريف هو نظره الى اثر الصحة، وهو سقوط الاعادة والقضاء، كما ان الذي دعا المتكلم الى تفسيرها بموافقة الشريعة هو نظره الى الجهة الكلامية.
واما نفس مفهوم الصحة والفساد، فهو من الامور الارتكازية الواضحة التي لا تحتاج الى تعريف، بل لا يمكن تعريفها بما هو اوضح منها.
كما انه لا فرق في معنى الصحة بين العبادات والمعاملات، وانما الاختلاف في الاثار المترتبة عليهما ناشئ من اختلاف الموضوعات والمقاصد، لا من اختلاف مفهوم الصحة.
الامر الرابع: قد يكون اتصاف الشيء بالصحة والفساد بلحاظ اجزائه الخارجية، وقد يكون بلحاظ شرائطه التي تؤخذ قيودا له في الذهن.
فقد تكون الصلاة صحيحة من جهة استجماعها لجميع الاجزاء، مع فقد بعض الشرائط، وقد تكون صحيحة من جهة استجماعها لجميع الشرائط، مع فقد بعض الاجزاء.
فلا منافاة بين الصحة من جهة والفساد من جهة اخرى؛ لان الصحة والفساد من الامور الاضافية.
ومن هنا ذهب بعضهم الى ان الفاظ العبادات موضوعة بالنسبة الى الاجزاء للصحيح، وبالنسبة الى الشرائط للاعم.
ثم ان شرائط صحة الصلاة على قسمين:
الاول: ما يمكن اخذه في مرحلة الجعل وتعيين المسمى، كالطهارة واستقبال القبلة والستر ونحوها، فانها قابلة للفرض قبل تعلق الامر.
والثاني: ما لا يمكن اخذه في مرحلة تعيين المسمى، لكونه من الانقسامات الثانوية المتأخرة عن تعلق الامر، كقصد القربة وقصد الوجه ونحوهما.
والحاصل ان الصحة والفساد من قبيل العدم والملكة.
فالصحة هي وجود العنوان فيما له قابلية الاتصاف به.
والفساد هو عدم ذلك العنوان فيما له قابلية تحققه.
وعليه، فالصحة والفساد لا يعرضان نفس الذات الخارجية، بل يعرضان العناوين الشرعية والاعتبارية.
فافعال الصلاة الخارجية، كالانحناء والقيام، ليست صحيحة ولا فاسدة بما هي حركات خارجية؛ لان مجرد الانحناء ليس ركوعا، وانما قد يكون مصداقا له. فان تحقق على الوجه الذي ينطبق عليه عنوان الركوع الشرعي كان صحيحا، والا كان فاسدا.
فالصحة والفساد انما يعرضان نسبة هذا الفعل الى عنوان الركوع او السجود، لا نفس الحركة الخارجية؛ لان تقابل العدم والملكة لا يتصور الا فيما كان قابلا للاتصاف بذلك الوصف الوجودي.
فاذا كان هذا الفعل مصداقا حقيقيا لعنوان الركوع كان صحيحا، وان لم يكن كذلك كان فاسدا.
فظهر ان الصحة والفساد وصفان اضافيان.
ومن ثم قد يكون الفعل صحيحا بالقياس الى عنوان الركوع، وفاسدا بالقياس الى عنوان السجود.
وعليه، فلا وجه لتوهم اختصاص النزاع بالمركبات الشرعية، وعدم جريانه في الاجزاء كالرکوع والسجود، بل كل ما امكن ان ينطبق عليه عنوان شرعي قابل للصحة والفساد، جرى فيه هذا النزاع. فتأمل جيدا.
وقد افاد المحقق النائيني ان القسم الثاني من الصحة، اعني الصحة الناشئة من الشرائط المتأخرة عن الجعل وتعلق الامر، خارج عن محل النزاع.
وعليه، فلا يصح ان يقال: ان لفظ الصلاة موضوع للصلاة المشتملة على قصد القربة، او للاعم منها ومن الفاقدة له.
وكذلك الفساد الطارئ بسبب النهي في العبادات، او لاجل اجتماع الامر والنهي في موارد المزاحمة، فانه خارج عن محل البحث.
وذلك لان الاتصاف بالصحة والفساد في هذه الموارد متأخر رتبة عن مرحلة تعيين المسمى وعن مرحلة تعلق الامر والنهي.
فالمحور الحقيقي للنزاع انما هو الاجزاء والشرائط التي يمكن لحاظها في مرحلة الجعل وتعيين المسمى، اعني ما يمكن اخذه في متعلق الامر ابتداء وفرضه في خطاب الشارع.
وعلى هذا، فلا فرق ـ على مبنى المحقق النائيني ـ بين ان يكون منشأ النزاع هو الوضع، او الاستعمال والظهور؛ لان محل النزاع في كلا التقديرين هو الاجزاء والشرائط القابلة للاخذ في الخطاب الاول للشارع.
















ثبت دیدگاه