اصول – مباحث الفاظ – جلسه 4
إن قلت : لو قيل في الدفاع عن صاحب الكفاية: إن مراده من الغرض الواحد ليس غرضا بسيطا حقيقيا، بل مجموع الأغراض المترتبة على مجموع المسائل، ووحدته إنما هي وحدة اعتبارية كشأن سائر المركبات الاعتبارية، فلأجل اشتراك تلك المسائل في الدخل في تحصيل ذلك الغرض الاعتباري جمعت في علم واحد، ولا يتوقف ذلك على وجود جهة جامعة بينها.
وبعبارة أخرى: العلم الواحد ليس إلا مجموعة من المسائل المنتهية إلى غرض واحد.
قلت : يرد عليه أنه لو كان مجرد الاشتراك في غرض اعتباري كافيا في وحدة العلم، لصح جمع كل طائفة من المسائل، وإن كانت متباينة غاية التباين، في علم واحد، مع أنه بديهي البطلان.
فلا بد أن تكون الأغراض من سنخ واحد، لا مجرد مجموع أغراض، ورجوع ذلك إلى وحدة نوعية بينها، وهي فرع وجود جهة جامعة في نفس المسائل، وتلك الجهة هي موضوع العلم.
ثم إن صاحب الكفاية أورد على القائلين بأن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات أو المحمولات، بأنه يلزم على ذلك أن يكون كل باب، بل كل مسألة، علما مستقلا.
وفيه: أن مرادهم ليس أن كل مجموعة ذات جهة جامعة تكون علما مستقلا، وإنما مرادهم أن كل علم مدون فلا بد له من موضوع خاص يكون منشأ وحدة مسائله وامتيازه عن غيره، فلا يرد الإشكال.
على أن هذا الإيراد مشترك الورود؛ فإنه لو كان التمايز بالأغراض أيضا، لأمكن أن يقال: إن لكل باب غرضا، بل لكل مسألة غرضا، فيلزم تعدد العلوم بعدد الأبواب أو المسائل.
وهنا يحسن التعرض لما أفاده صاحب الفصول، حيث ذهب إلى أن تمايز العلوم إنما هو بتمايز الموضوعات أو بتمايز حيثيات البحث، ولأجل ذلك عبر صاحب الكفاية بالمحمولات ليدفع هذا المبنى أيضا.
ولكن التحقيق أن حيثية البحث راجعة إلى الموضوع، لا أنها أمر خارج عنه.
فما يقال من أن موضوع النحو والصرف واحد، وهو الكلمة والكلام، وإنما الامتياز بينهما من جهة الإعراب والبناء أو الصحة والاعتلال، ليس على ما ينبغي؛ فإن هذه الحيثيات بنفسها داخلة في الموضوع، لا خارجة عنه.
موضوع علم الأصول
وبعد الفراغ عن ذلك، يقع الكلام في موضوع علم الأصول.
وقد عرفت أن المشهور ذهبوا إلى أن تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها.
وعليه، فقد جعلوا موضوع علم الأصول أدلة الفقه، وهي الكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع، بما هي أدلة، والمراد بالدليل ما يكون حجة.
فمرجع كلامهم إلى أن موضوع علم الأصول هو الحجة في الفقه.
وقد أورد عليه المحقق القمي بأن لازم ذلك خروج كثير من المسائل المسلمة في علم الأصول، كحجية خبر الواحد، وحجية الإجماع، ونظائرهما، عن مسائل هذا العلم، ودخولها في مبادئه؛ لأن المسألة الأصولية إنما تكون من عوارض موضوع العلم، مع أن البحث في حجية خبر الواحد ليس بحثا عن عوارض السنة، بل عن عوارض الخبر، والخبر ليس من الأدلة الأربعة.
ولو قيل: إن المراد الخبر الحاكي عن السنة.
قلنا: إن هذا لا يدفع الإشكال في غيره من المباحث، كمباحث الألفاظ، وحجية القطع، فإنها أيضا من مسائل الأصول، مع أنها ليست بحثا عن عوارض الأدلة الأربعة.
ولأجل دفع الإشكال الأول، ذهب صاحب الفصول إلى أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الأربعة قبل اتصافها بالحجية.
فعلى هذا يكون البحث عن حجيتها بحثا عن عوارض الموضوع، فيكون من مسائل العلم.
وأما على ما عليه المشهور، فالبحث عن حجية الأدلة بحث عن أصل وجود الموضوع، لا عن عوارضه، وقد تقدم أن البحث عن وجود الموضوع من مبادئ العلوم.
فبذلك اندفع الإشكال الأول، إلا أن الإشكال في مباحث الألفاظ، وحجية القطع، باق على حاله؛ إذ لا يكون البحث فيها أيضا عن عوارض الموضوع.
نعم، يمكن الجواب عن مباحث الألفاظ على مبنى صاحب الفصول، وأما حجية القطع فلا يخلو عن إشكال.
ومن هنا عدل صاحب الكفاية عن هذا المبنى، واختار أن موضوع كل علم هو الجامع الكلي بين موضوعات مسائله.
تنبيه
إلا أن هذا المبنى لا يلائم القول بأن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات؛ لأن لازمه تقدم المسائل على الموضوع، إذ لا يعرف الجامع إلا بعد معرفة موضوعات المسائل، ولذلك عدل صاحب الكفاية عن ذلك، وجعل تمايز العلوم بتمايز الأغراض.
ولكن قد تقدم أن منشأ هذا الإشكال إنما هو عدم فهم مراد المشهور من موضوع العلم ومن العوارض الذاتية.
وقد عرفت أن مرادهم بموضوع علم الأصول هو أدلة الفقه بما هي حجة.
وليس المراد أن الحجية جزء الموضوع أو مقومة له، بل المراد أن البحث يقع عما تعرض له الحجية من أفراد الأدلة، كخبر الواحد، والإجماع، ونحوهما.
فيقال:
هل خبر الواحد حجة أم لا؟
وهل الإجماع حجة أم لا؟
فموضوعات هذه المسائل هي الأدلة التي تعرض لها الحجية، فهي داخلة في موضوع هذا العلم.
وكذا القياس، والاستحسان، والاجتهاد، فإن البحث فيها أيضا إنما هو عن ثبوت الحجية أو نفيها.
بل وكذلك الأصل العملي في الشبهات البدوية، فإن حاصله نفي حجية احتمال التكليف، وعدم كونه منجزا.
وكذا أصل الاشتغال، وأصل التخيير، فإنهما في الحقيقة راجعان إلى البحث عن الحجية.
وتقريب ذلك: أن كل ما ثبتت حجيته، علما كان أو أمارة أو غيرهما، فهو حجة على الواقع، سواء كان متعلقه معلوما بالتفصيل، أم مرددا بين أمور متعددة.
فإن أمكنت الموافقة القطعية، حكم العقل بلزومها، وهو أصل الاشتغال.
وإن لم تمكن الموافقة القطعية، مع إمكان الموافقة الاحتمالية والمخالفة القطعية، وجبت الموافقة الاحتمالية، ومع عدم المرجح كان المكلف مخيرا بين الأطراف، وهو أصل التخيير.
وإن لم يمكن شيء من ذلك، كما في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة مع عدم المرجح، انتفت الحجية بالنسبة إلى الواقع رأسا، وهو أصل البراءة، غاية الأمر أن البراءة تنفي حجية احتمال التكليف، والتخيير ينفي حجية العلم الإجمالي بالنسبة إلى تعيين أحد الأطراف.
فتحصل أن مباحث الأصول العملية، على هذا التقريب، ليست سنخا مغايرا لسائر مباحث هذا العلم، بل ترجع جميعها إلى البحث عن الحجية، وبهذا البيان تدخل كثير من مباحث الألفاظ أيضا في موضوع علم الأصول ومسائله.
















ثبت دیدگاه