اصول – مباحث الفاظ – جلسه 38
و کیف کان: إن طريقة تعليم اللغة بالقرينة هي الطريقة التي يذكرها الاصوليون غالبا في ضمن تنصيص اهل اللغة؛ فانهم اذا قالوا: ان من علامات كشف الوضع تنصيص اهل اللغة، ارادوا به الاعم، فيشمل التنصيص المطابقي الواقع باللفظ والكلام، ويشمل ايضا ما يقوم مقامه من التعليم بالقرائن.
فليتأمل، فانه اذا لم يمكن التعليم بالالفاظ، كما اذا كان المتعلم لا يعرف لغة المعلم، ولا يتمكن المعلم من استعمال لغة المتعلم، لم يمكن افادة المعنى باللفظ، فيقوم مقامه الاتيان بالقرينة الخارجية، وهذا هو المراد من التعليم بالقرائن، اي تكرار اللفظ او استعماله مقرونا بقرينة مستقلة.
فيؤتى اولا بقرينة مستقلة تدل بنفسها على المعنى المقصود، كالإشارة الى الماء عند تعليم لفظ الماء، ثم يكرر اللفظ مع تلك القرينة، ليزول غفلة المتعلم، ويرتفع احتمال الغلط او المزاح، ويستقر اللفظ في ذهنه، ويلتفت الى ان هذا الاقتران ليس اتفاقيا، بل هو مقصود.
وعندئذ يتصور المتعلم اللفظ والمعنى، ويدرك ايضا العلاقة الوضعية بينهما.
فاذا كانت القرينة مستقلة في الدلالة على المعنى، وكان ايراد اللفظ لمجرد احضاره في الذهن من دون قصد افادة المعنى به، كان اقترانه بتلك القرينة دالا بالالتزام على تحقق الوضع.
فالقرينة في هذه الطريقة ليست موضوعة لاعلام الوضع، وانما جيء بها لافادة المعنى، غير ان الوضع يستكشف من اقترانها باللفظ.
وعليه، فلا مجال لايراد احتمال المجاز من ناحية المتعلم؛ لان الدلالة هنا ليست دلالة لفظية، بل هي دلالة ناشئة من اقتران اللفظ بالقرينة المستقلة، وهذه الدلالة الاقترانية موجبة للقطع عند المتعلم.
الرابع: قول اللغوي
ومن العلامات التي ذكروها للحقيقة والمجاز قول اللغوي، وهو البحث عن حجية نقل اهل اللغة، كقول الخليل والاصمعي وابن الاثير وغيرهم.
وامتياز هذا الطريق عن غيره انه انما يحتاج اليه في المورد الذي تشتد الحاجة اليه في الفقه، وهو فهم الخطابات الشرعية؛ لانها وردت بلسان العرب، واللغوي انما يخبر عن معاني الالفاظ العربية.
والمحتاج اليه من قوله انما هو بيان مواد الالفاظ، دون الهيئات؛ لان الهيئات لا تتوقف معرفتها على قول اللغوي، بل هي معروفة في عامة الالسنة.
والمراد من قول اللغوي اعتقاده بمعنى اللفظ، وما يثبته في كتابه كاشف عن ذلك الاعتقاد، كما اذا قال:
الصعيد: وجه الارض.
فان قلت: هل قول اللغوي طريق الى الواقع؟
قلت: لا؛ لان اللغوي غير معصوم، ويحتمل في حقه الخطأ والتقصير وسوء القياس، بل قد ينقل عن بعضهم فساد المذهب او الوضع، فلا ملازمة بين قوله وبين الواقع.
وانما الكلام في انه هل جعل قوله موضوعا للحجية، بحيث اعتبره العرف او الشرع بمنزلة الواقع، ام لا؟
الاقوال في حجية قول اللغوي
وقد ذكرت في المقام اقوال:
الاول: انه حجة مطلقا، وان لم يفد الظن.
الثاني: انه ليس بحجة مطلقا، وان افاد الظن.
الثالث: انه حجة مع افادة الظن، وهو المشهور.
الرابع: انه حجة عند انسداد باب العلم خاصة.
وقد اختار الشيخ الاعظم عدم الحجية، وان افاد الظن، وان كان القول الثالث هو المشهور، بل ادعي عليه الاجماع والاستفاضة.
فنقل عن العضدي انه قال: انا نقطع بان علماء الاعصار والامصار كانوا يكتفون بخبر الواحد من اهل اللغة في معرفة معاني الالفاظ.
وقال بعض المحققین : ان معرفة المعاني اللغوية خارجة عن قاعدة اعتبار القطع في الاصول، للاجماع على الاكتفاء فيها بخبر الواحد.
ولكن المنكر للحجية لا يحتاج الى اقامة دليل، لان الاصل الاولي يقتضي عدم الحجية.
وهذا الاصل يبتني على امرين:
الاول: توقيفية باب اللغة، بمعنى ان اثبات الوضع والمجاز والقرينة والاستعمال يحتاج الى دليل معتبر.
الثاني: المنع من العمل بالظن في الامور الشرعية، وهو مما دل عليه العقل والكتاب والسنة والاجماع، بل الضرورة.
فمن يدعي الحجية يكون مخالفا لهذا الاصل، فيلزمه اقامة الدليل.
ادلة القائلين بالحجية
واستدل القائلون بالحجية بوجوه متعددة، منها ما يرجع الى بناء العقلاء، ومنها ما يرجع الى الشرع، ومنها ما يرجع الى الظن الخاص او الضرورة العملية.
فمنها: دعوى بناء العقلاء في جميع اللغات على الرجوع الى اهل اللغة والاعتماد على قولهم في معرفة معاني الالفاظ.
وفيه: ان هذه الدعوى في غاية الضعف؛ فان احدا من اهل اللغة لا يعتمد في لغته على الظن، بل يعرف معاني الفاظه بالعلم واليقين.
ولو كان الاعتماد على الظن طريقة عامة بين اهل اللسان، لكان ذلك من الامور الواضحة المشاهدة، وليس كذلك.
فالذي عليه بناء العقلاء انما هو الاعتماد على التبادر، والقرائن الواضحة، والاخبار المفيدة للعلم، لا على مجرد الظن او الخبر غير العلمي في الامور المهمة.
فاساس المحاورات في جميع اللغات قائم على العلم بمعاني الالفاظ واوضاعها.
لایقال: لو لم يكن الظن حجة لانسد باب معرفة اللغة.
فانه یقال: لا؛ لان اهل اللغة يحصل لهم المقدار المحتاج اليه في محاوراتهم بالعلم، وما بقي من الالفاظ المهجورة يثبت غالبا بالقرائن والاستعمالات المتعددة والنقول المختلفة، ولا يبقى الا مقدار يسير لا تمس الحاجة اليه.
واما من اراد تعلم اللغة العربية من الكتب وهو غير عربي، فقد لا يحصل له العلم، ولكن ذلك خارج عن محل الكلام؛ لان البحث انما هو في اهل اللسان وفي المحاورات الطبيعية.
ومن الادلة: الاجماع
فقد ادعي اجماع العلماء، من المتقدمين والمتأخرين، على الرجوع الى كتب اللغة والاعتماد على اقوال اهلها في معرفة المعاني وحل المشكلات العلمية، وان ذلك صار سيرة علمية متصلة.
وفيه:
اولا: ان الاجماع انما يكون حجة اذا كان كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام، ولا كاشفية له في المقام.
وثانيا: ان الاجماع المعتبر هو ما كان متحققا في عصر المعصومين عليهم السلام، مع ان اكثر كتب اللغة انما دونت بعد ذلك العصر.
وثالثا: ان الاجماع المدعى ليس مطلقا، بل هو محدود ومشروط؛ لان العلماء قد اختلفت مسالكهم في الاعتماد على قول اللغوي، فمنهم من اعتمد عليه من جهة العلم، ومنهم من جهة التعبد، ومنهم من جهة الظن الخاص، ومنهم من جهة الاضطرار.
نعم، يمكن الجواب عن الاشكال الاول بان الاتفاق في الامور اللغوية قد يكشف عن صحة المعنى اذا لم يحتمل التواطؤ، فيكون بمنزلة الخبر المتواتر، ولا يتوقف على كشفه عن رأي المعصوم؛ لان باب اللغة لا يختص بالاحكام الشرعية.
كما يمكن الجواب عن الاشكال الثاني بان تأخر تدوين كتب اللغة لا يمنع من اعتبار الاجماع العملي عليها؛ لان المقصود هو طريقة العلماء في الرجوع اليها، لا زمان تدوينها.
فظهر لک مما ذکرنا: ان رجوع العلماء الى اقوال اهل اللغة ثابت في الجملة، ولكنه لا يدل على اجماع مطلق في جميع الموارد؛ لاختلاف مسالكهم، فتارة يعتمدون على القرائن المفيدة للعلم، واخرى على اللغة في الموارد التسامحية، وثالثة يجعلونها مؤيدة لسائر الشواهد.
واما في الاحكام الشرعية التي يترتب عليها الالزام، فلم يثبت اجماع مطلق على حجية مجرد قول اللغوي.
نعم، لا يبعد ان تكون سيرة الفقهاء على مراجعة كتب اللغة عند خفاء بعض الالفاظ الواردة في الروايات، ثم ضم ما فيها الى سائر القرائن والاستعمالات والشواهد، حتى يحصل لهم الاطمئنان او العلم بالمعنى المراد.
















ثبت دیدگاه