اصول – مباحث الفاظ – جلسه 27
الدوران بلحاظ المدلول الاستعمالي
الكلام في هذا المقام في انه هل استعمل المتكلم اللفظ في معناه الحقيقي او في معناه المجازي؟ فان اصل المعنى معلوم، ولكن الشك في ان اللفظ في اي معنى استعمل. وربما يشك ايضا في وجود الاضمار او الاستخدام في كلامه.
فلو قال: «رأيت اسدا»، فهل اراد الحيوان المفترس او الرجل الشجاع؟
ولو قال: «زر البلد»، فهل المراد زيارة نفس البلد او زيارة اهله؟ وهذا من الدوران بين الاضمار وعدمه.
وكذلك لو قال: «اكرم العلماء وصل خلفهم»، فهل يرجع الضمير الى جميع العلماء، او الى خصوص العدول منهم؟ وهذا من الدوران بين الاستخدام وعدمه.
والاصل في جميع هذه الموارد عدم ارادة خلاف الظاهر، وان المتكلم اراد المعنى الحقيقي ما لم تقم قرينة على خلافه.
وبعبارة اخرى: هذا هو اصالة الحقيقة، وهي من فروع اصالة الظهور، وملاكها ظهور حال المتكلم، فان العرف يحمل كلامه على ارادة المعنى الحقيقي، ويتوقع منه اقامة القرينة اذا اراد خلافه.
واما على مسلك التعهد، فقد يقال: ان الظهور الاستعمالي هو عين الظهور الوضعي. ولكن المشهور بنوا الظهور الاستعمالي على السيرة العرفية، فان المتكلم في مقام المحاورة يحمل كلامه على ارادة المعنى اللغوي ما لم ينصب قرينة على خلافه.
وربما يقع الدوران بين فردين من خلاف الظاهر، كما في قوله تعالى: «واسأل القرية»، حيث يدور الامر بين المجاز، بان يكون لفظ القرية مستعملا في اهلها، وبين الاضمار، بان يكون التقدير: «واسأل اهل القرية».
وفي امثال ذلك ذكر المحقق الخراساني الميزان هو الظهور، فما كان اظهر او قامت عليه قرينة اخذ به، والا كان الكلام مجملا.
واما اذا كان الدوران بين دليلين منفصلين، كما لو قال: «اكرم العلماء»، ثم قال: «لا تكرم الفساق من العلماء»، فليس ذلك من هذا الباب، بل هو من تعارض الظهورين في الدليلين المنفصلين، فيرجع فيه الى قواعد الجمع العرفي، فان كان احدهما مفسرا للآخر قدم عليه، والا دخل في باب التعارض.
ومن هنا قال المحقق النائيني:
«ما يكون على تقدير اتصاله قرينة، يكون على تقدير انفصاله حجة.»
المقام الثالث: الدوران بلحاظ المدلول الجدي
قد يكون اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي، ولكن ذلك المعنى ليس مرادا جدا، كما في موارد التخصيص والتقييد والتقية.
فلو قال: «اكرم العلماء»، ثم قال: «لا يجب اكرام الفقهاء»، علم ان وجوب اكرام جميع العلماء لم يكن مراده الجدي.
وفي هذه الموارد ايضا، فان كان احد الظهورين اقوى اخذ به، وان كانا في دليلين منفصلين رجع الى قواعد الجمع العرفي، والا فالى باب التعارض.
وجميع ما تقدم من مباحث الدلالات والاصول اللفظية انما وضع لضبط فهم الادلة اللفظية، حتى يكون للعرف ميزان واضح في استظهار المراد، وترتفع موارد الاختلاف، ولا يكون الفهم تابعا للذوق الشخصي والوجدان الفردي، بل منضبطا بضوابط علمية عقلائية.
ومن هذه الجهة كانت هذه المباحث من المبادئ التصديقية لعلم الاصول، ولها موقع مهم في ابواب الدلالات والظهورات.
حقيقة الاستعمال وشروط صحته
ولما انتهى الكلام الى مباحث الدلالة الوضعية، والمدلول التصوري، والارادة الاستعمالية والجدية، ناسب التعرض لحقيقة الاستعمال وما يعتبر في صحته.
حقيقة الاستعمال
الارادة الاستعمالية هي ان يستعمل المتكلم اللفظ لاخطار معناه اللغوي في ذهن المخاطب.
واما الارادة الجدية فهي قصد الاخبار او الانشاء بذلك المعنى حقيقة.
وعليه، ففي موارد التقية والهزل والامتحان يكون اللفظ مستعملا في معناه، فتتحقق الارادة الاستعمالية، ولكن لا تكون الارادة الجدية متعلقة بذلك المعنى.
فالارادة الاستعمالية عبارة عن جعل اللفظ وسيلة لاخطار المعنى العرفي واللغوي في ذهن المخاطب.
غير ان الارادة الاستعمالية غير الارادة التفهيمية، فان الارادة التفهيمية هي قصد ايصال المعنى الى المخاطب. والارادة الاستعمالية اعم منها، فقد يستعمل المتكلم اللفظ في معناه، ولا يريد كشف مراده الواقعي، كما في موارد الاجمال والتورية.
وفي مثل ذلك يكون الاستعمال صحيحا، وان لم يقصد التفهيم، بل تكون الارادة الجدية متعلقة بنفس الاجمال او التورية.
شروط صحة الاستعمال
من اهم شروط صحة الاستعمال ان يكون اللفظ صالحا للدلالة على المعنى، سواء كانت الصلاحية ناشئة من الوضع، كما في الحقيقة، ام من المناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، كما في المجاز.
فبدون هذه الصلاحية لا يتحقق الاستعمال حقيقة.
ومن الشروط ايضا وجود المغايرة بين اللفظ والمعنى، ولذا قيل بعدم صحة استعمال اللفظ في نفسه، كما لو قيل: «اللفظ لفظ».
ولكن اجاب صاحب الكفاية بان المغايرة العنوانية كافية، لان الدال والمدلول عنوانان اضافيان، فيمكن لحاظ اللفظ من جهة كونه دالا، ومن جهة اخرى كونه هو المقصود، فلا مانع من استعمال اللفظ في نفسه.
ان قلت : ان الدلالة عبارة عن انتقال الذهن من تصور اللفظ الى تصور المعنى، وهذا الانتقال لا يتحقق في استعمال اللفظ في نفسه.
قلت : ان مجرد التغاير بين الاحساس باللفظ وتصوره يكفي في تحقق الدلالة، فلا حاجة الى تصورين مستقلين.
ومن الشروط التي ذكروها اذن الواضع في الاستعمال المجازي، كما يعتبر وضعه في الاستعمال الحقيقي.
ولكن الصحيح عدم الحاجة الى اذن خاص، بل يكفي وجود المناسبة العرفية والطبيعية بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فانها توجب صحة الاستعمال.
وذكر ايضا انه يعتبر التفات المستعمل الى حيثية الدلالة، بان يعلم في اي معنى يستعمل اللفظ.
وهذا ايضا غير لازم، لان المدار على صلاحية اللفظ بحسب العرف واللغة، لا على علم المستعمل او جهله.
وقيل ايضا: ان مرآتية اللفظ وفناءه في المعنى شرط في صحة الاستعمال.
ولكنه غير تام، لان المرآتية من شؤون الدلالة الوضعية، لا من شرائط الاستعمال، وقد يتعلق غرض المتكلم بنفس اللفظ مع صحة الاستعمال.
ولهذا ذهب المحقق الخراسانی الى انه لا يعتبر في صحة الاستعمال المجازي ترخيص خاص من الواضع، ولا وضع جديد، بل المدار على الطبع والذوق العرفي، فمتى استحسن العرف ذلك الاستعمال وصححه، كان كافيا في صحة الاستعمال المجازي.
















ثبت دیدگاه