اصول – مباحث الفاظ – جلسه 10
توضيح القسم الثالث: الوضع العام والموضوع له الخاص
واما توضيح القسم الثالث، اعني الوضع العام والموضوع له الخاص، فهو ان يتصور الواضع معنى كليا ويلحظه في الذهن، ولكن لا يقصد وضع اللفظ لنفس ذلك المفهوم الكلي، بل يجعل اللفظ بازاء افراده ومصاديقه الخاصة لذلك المعنى الكلي.
وقد قيل ان هذا النحو من الوضع موجود في المعاني الحرفية والمعاني النسبية غير المستقلة.
فان ما يدرك في الذهن بصورة مستقلة هو المفهوم الاسمي، ولكن اللفظ لم يوضع لذلك المفهوم الاسمي، بل وضع للواقعيات النسبية والارتباطية القائمة بين شيئين.
فمثلا حرف “في” في قولنا:
“الماء في الاناء”
يحكي عن مفهوم الظرفية، وحرف “من” في قولنا:
“سرت من البصرة”
يحكي عن مفهوم الابتداء.
ففي مثل ذلك يكون الواضع قد تصور المعنى الكلي، ثم وضع اللفظ لمصاديق تلك النسبة الخاصة في الخارج؛ ولذلك قيل: ان هذا من قبيل الوضع العام والموضوع له الخاص.
وعليه، فقد ذهبوا الى ان هذا القسم ممكن ثبوتا وامكانا؛ لان بعض المفاهيم، وان كانت كلية وعامة، يمكن ان تكون كاشفة عن الخصوصيات.
اي ان هناك مفهوما في الذهن يكون عاما في نفسه، ولكنه يكون وجها ومرآة وآلة لحكاية الخاص.
ومن امثلة ذلك مفهوم “النسبة” او مفهوم “الجزئي”.
فان مفهوم الجزئي بنفسه مفهوم كلي؛ لانه يصدق على افراد متعددة كزيد وعمرو وبكر وغيرهم، ولكنه مع ذلك يحكي عن الحقائق الجزئية.
فيمكن ان يكون تصور المعنى العام والكلي طريقا الى ملاحظة مصاديقه الخاصة.
رأي المرحوم الحاج الشيخ في درر الفوائد
قال المحقق الحائري: ان بعضهم توهم ان القسم الثالث، اعني الوضع العام والموضوع له الخاص، موجود في الحروف والالفاظ المشابهة لها.
ومنشأ هذا التوهم امران:
الامر الاول
انهم قالوا:
“معاني الحروف هي المفاهيم التي تلحظ في الذهن بما هي آلات ووسائل لملاحظة حال غيرها.”
فمثلا لفظ “من” وضع لمعنى الابتداء، ولكن هذا الابتداء يلحظ في الذهن بنحو يكون آلة ووسيلة لادراك حالة شيء اخر غير نفسه.
فيقول رحمه الله:
لا اشكال في ان مفهوم الابتداء، وان كان كليا في نفسه، الا انه اذا قيد بوجود ذهني خاص صار جزئيا حقيقيا؛ كما ان المفهوم اذا تعين في الخارج صار جزئيا حقيقيا.
الامر الثاني
ومنشأ التوهم الثاني انهم لما اشترطوا في معاني الحروف ان تكون هذه المعاني آلات ووسائل لمعرفة المتعلقات الخاصة، توهموا ان صورتها الشخصية وان لم تتحقق في الذهن، فهي باقية تحت عنوان العام.
كما فيمن يتصور احد العنوانين او احد الوجهين المرتبطين بذات واحدة، ثم يجعل نفس تلك الذات موضوعا للحكم؛ فان تصور وجه الشيء يعد بنحو ما تصورا لنفس ذلك الشيء، وهذا المقدار يكفي لتحقق عنوان العام والموضوع له الخاص.
جواب صاحب درر الفوائد
قال المحقق صاحب درر الفوائد في الجواب:
الحق ان جميع معاني الحروف مفاهيم كلية، وان الفاظ الحروف ايضا موضوعة للمعاني والمفاهيم الكلية.
ثم يوضح ذلك بان بعض المفاهيم تكون لها في الخارج وجود تبعي؛ اي انها لا تتحقق بصورة مستقلة، بل توجد ضمن شيء اخر.
فمثلا مفهوم الابتداء لا يتحقق دائما الا ضمن شيء اخر، كالانتقال من مبدأ معين، ولكن مع ذلك يستطيع الذهن ان يتصور هذا المفهوم بصورة مستقلة.
وكذلك يمكن للذهن ان يدرك المفهوم بملاحظة نفس نحو وجوده الخارجي، اي بما هو قائم بغيره ومحتاج اليه.
وفي كلا الفرضين لابد من الالتفات الى ان حقيقة المفهوم واحدة، وهو باق على كليته، وان الاختلاف انما هو في كيفية لحاظ الذهن له، لا في ذات المعنى وحقيقته.
نتيجة البحث
فكما ان تصور مفهوم “الابتداء”، وهو معنى كلي، سواء تصور استقلاليا في الذهن او لوحظ بلحاظ وجوده الخارجي التبعي، لا يوجب صيرورته جزئيا، كذلك الامر في المعاني الحرفية.
فحتى لو لوحظ مفهوم الابتداء بنحو آلي وارتباطي، اي كما هو متحقق في الخارج ومتقوم بغيره، يبقى معناه كليا ولا يصير جزئيا.
وعليه، فمعاني الحروف ليست جزئية وخاصة، بل هي معان كلية.
واما القول بان المعنى الحرفي لما كان محتاجا في الذهن الى محل يرتبط به، كان ذلك المحل جزءا من معنى الحرف، فهو غير صحيح.
لان الحاجة الى المحل، سواء في الخارج او في عالم الذهن، انما هي من شروط التحقق، لا انها جزء من نفس المعنى.
وكما ان الابتداء في الخارج لا يتحقق من دون مبدأ، ولكن ذلك المبدأ ليس جزءا من مفهوم الابتداء ولا يوجب كون مفهوم الابتداء جزئيا، كذلك الامر في المعاني الحرفية.
وعليه، فالحروف ايضا كالاسماء لها معان كلية، وانما الفرق بينهما في كيفية لحاظ الذهن:
فالاسماء تلحظ بنحو الاستقلال.
والحروف تلحظ بنحو آلي وارتباطي.
وحاجة الحروف الى متعلقاتها، كمبدأ ومنتهى في “من” و”الى”، لا توجب جزئية معانيها؛ لان المتعلق ليس الا شرطا لتحقق الاستعمال، وليس جزءا من معنى الحرف.
فالنتيجة ان معاني الحروف كلية كمعاني الاسماء، وانما الاختلاف بينهما في كيفية لحاظها في الذهن.
















ثبت دیدگاه