فقه – مباحث طهارت – جلسه 93
في تحقيق الفرع الثاني
هل يختص استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة بصورة الجهل بتاريخ الكرية، مع الغض عما ذكرناه من القاعدة المقتضية للحكم بالطهارة، او يجري ايضا فيما اذا كان تاريخ الكرية معلوما في نفسه، وكان تاريخ الملاقاة مجهولا؟
فلو علمنا بان الكرية حصلت عند الزوال، وشككنا في ان الملاقاة كانت قبل الزوال او بعده، فهل يجري استصحاب عدم الكرية؟
قد يقال بعدم جريانه، لعدم الشك في العدم، فان عدم الكرية قبل الزوال مقطوع به، والكرية بعد الزوال مقطوع بها، فلا يبقى مورد للاستصحاب.
واجابوا عنه بان عدم الكرية وان لم يكن مشكوكا بلحاظ خط الزمان، الا انه مشكوك بلحاظ زمان الملاقاة، فيستصحب عدم الكرية الى ذلك الزمان.
ولكن ينبغي ان يقال بعدم جريان هذا الاستصحاب.
وذلك لانه ان اريد لحاظ زمان الملاقاة موضوعا مستقلا، فهو غير صحيح، لان عدم الكرية المقيد بزمان الملاقاة لا حالة سابقة له حتى يستصحب. وان كانت ذات عدم الكرية ذات حالة سابقة، الا ان استصحابها لا يثبت هذا التقييد بين الجزأين الا على القول بالاصل المثبت.
وان اريد ان يكون زمان الملاقاة مجرد معرف للزمان الواقعي لا موضوعا، بان يثبت الاستصحاب بقاء عدم الكرية في الزمان الذي لا نعرفه الا بعنوان زمان الملاقاة، فهذا ايضا غير صحيح، لان ذلك الزمان مردد واقعا بين زمان نعلم فيه بعدم الكرية، وزمان نعلم فيه بالكرية، فيكون من قبيل استصحاب الفرد المردد.
ففي فرض العلم بتاريخ الكرية لا يجري استصحاب عدم الكرية، وتجري الاصول الحكمية الدالة على الطهارة. مضافا الى ان استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية يقتضي ايضا الحكم بالطهارة.
وقد اثبتنا فيما سبق ايضا حكومة قاعدة الطهارة، فالحكم بالطهارة ثابت سواء جهل التاريخان، ام علم بتاريخ الكرية.
وفي هذه الصورة يجري ايضا استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية، لعدم تمامية استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة، فلا يبقى مجال لدعوى تعارض الاستصحابين، ويكون الموضوع حينئذ واضحا.
واما اذا كان هذا الماء الكر المسبوق بالقلة، على ما ذكره السيد، معلوم تاريخ الملاقاة بالنجاسة، فقد حكم بنجاسته.
ووجهه ظاهر، لان استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة يثبت موضوع النجاسة، وهو ملاقاة الماء غير الكر للنجاسة. ولا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية، لانه بالنسبة الى الزمان المعين لا شك في اصل تحقق الملاقاة، واما بالنسبة الى الزمان الاجمالي، وان كان اصل الملاقاة فيه مشكوكا، الا ان هذا ليس شكا في البقاء الذي هو ركن الاستصحاب.
وانما الشك في ان الكرية هل كانت حاصلة في ذلك الزمان ام لا، فلا يجري استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية.
ولكن بعض المحشين على العروة ذهبوا هنا الى الحكم بالطهارة.
ويمكن ان يقال: انا نشك في زمان مردد لا نعلم فيه هل وقعت الملاقاة قبل الكرية او بعدها.
و هل تحققت الملاقاة في ذلك الزمان الخاص، اعني قبل الكرية، ام لا؟ وهذا شك في حدوث الملاقاة، ولا يقين لنا بوقوعها حال القلة، بل الشك في اصل حدوثها في ذلك الظرف.
وما ذكر من وضوح استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة، انما المراد به بقاء عدم الكرية الى ما قبل الملاقاة.
وهؤلاء حكموا بالطهارة من جهة التزامهم بان اصل تاخر الحادث المجهول اصل مستقل غير الاستصحاب.
كما التزموا بعدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ، فاجروا الاصلين في الطرفين، ثم حكموا بالطهارة.
ولكن الجواب ظاهر، فان هذا الاصل، اعني اصل تاخر الحادث المجهول، انما هو اصل عقلائي في ترتيب الحوادث، لا مجرد ابقاء للحالة السابقة، فهو غير الاستصحاب.
فان العقلاء اذا واجهوا حادثين كان احدهما معلوم التاريخ والآخر مجهوله، حملوا المجهول على التاخر، لان التقديم يحتاج الى دليل.
وكما ذكروا، فان الاستصحاب في معلوم التاريخ لا يجري، لان موضوعه الشك في البقاء، لا مجرد الشك في النسب الزمانية.
وفي المقام، زمان الملاقاة معلوم، اي ان هناك نقطة زمانية معينة يراد تعيين حكمها.
والاستصحاب يتوقف على اتصال اليقين السابق بالشك اللاحق، وهذا الاتصال غير محفوظ عرفا في معلوم التاريخ، لان زمان الابتلاء قد تعين وانفصل.
وهذا المقدار لا يكفي لاثبات نجاسة الماء، الا من جهة استلزامه وقوع الملاقاة بعد ذلك، وهذا لازم عقلي، فيكون من الاصول المثبتة.
ولذلك ذهب بعض الاعاظم ايضا في هذه الصورة الثالثة من صور الماء الكر المسبوق بالقلة الى الحكم بالطهارة.
الا ان يقال: ان هذه الملازمة من قبيل الواسطة الخفية التي لا يلتفت اليها العرف.
ولا يبعد ان يقال: ان طهارة الماء واعتصامه باقيان الى ان يتحقق التغير، او تقع الملاقاة بالماء القليل الراكد، على القاعدة التي تقدم بيانها.
وفي المقام قد تحقق بالوجدان اصل الملاقاة، ومن جهة اخرى نعلم يقينا بان هذا الماء كان في زمان ماء قليلا راكدا، ونحن نشك في حدوث الكرية، فيجري اصل عدم حدوثها.
وعليه، فكما يثبت استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة نجاسة هذا الماء، كذلك تثبت نجاسته ايضا بمقتضى القاعدة المتقدمة المستفادة في باب طهارة الماء.
















ثبت دیدگاه