فقه – مباحث طهارت – جلسه 101
و مما ذکرنا عرفت أن الكرية أمر وجودي اتصالي عرفي، وليست وصفا يكون عدمه قبل وجود الماء حالة متيقنة بنظر العرف. فإن العرف إذا نظر إلى هذا الماء الخارجي لا يقول: إن هذا الماء قبل وجوده لم يكن كرا، بل إن موضوع هذا الماء لم يكن له وجود من الأساس قبل تحققه في الخارج.
وعليه، فاستصحاب عدم الكرية الأزلي ليس عرفيا.
فإذا سقط استصحاب عدم الكرية، لم يبق دليل على الحكم بالنجاسة، والمرجع حينئذ قاعدة الطهارة، لا عمومات أدلة الانفعال؛ لأن الرجوع إليها يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
إشكال آخر: هل إحراز ملاقاة نفس هذا الماء المستصحب القلة ممكن؟
فلو كان لنا علم إجمالي بأن أحد الماءين كان قليلا سابقا، ولكن لم نعلم أن ذلك الماء بعينه هو الذي لاقى النجاسة، فإن استصحاب القلة لا يتم به موضوع النجاسة؛ لأن الموضوع مركب من الملاقاة والقلة في نفس الماء الملاقي، واتحاد هذين الأمرين في مورد واحد ليس محرزا بالوجدان.
فيكون المقام موردا لإشكال الأصل المثبت، أو لعدم إحراز اتحاد الموضوع.
وعليه، إذا كانت الحالة السابقة لأحد الماءين الكرية وللآخر القلة، يرد هذا الإشكال. وإذا كانت الحالة السابقة لهما القلة أيضا، فجريان استصحاب القلة محل إشكال؛ لأن أولا لا يعلم أن أصل جميع المياه كان من المطر، ولو سلم ذلك فلا يعلم أنه نزل على هيئة قطرات، بل يحتمل أن يكون على نحو السيلان، خصوصا في ابتداء خلق الأرض.
بل إن كثيرا من الفقهاء يرتكزون عرفا في موارد الشك في الانفعال، ولا سيما في المياه الكثيرة، على الحكم بالطهارة، خصوصا إذا كان الماء كثيرا وكان احتمال الكرية موجودا، ولذلك يرون شمول إطلاقات أدلة الاعتصام لمثل هذه الموارد.
فإذا لم يجر استصحاب القلة، أو أمكن تعارضه مع استصحاب عدم الملاقاة حال الكرية، سقط الأصلان، وكان المرجع قاعدة الطهارة.
مضافا إلى أن لدينا في المقام أدلة الاعتصام، وكذلك القاعدة الكاظمية التي مقتضاها أن الماء معتصم وطاهر حتى يحصل فيه أحد الأمرين: إما التغير، أو كون الماء قليلا راكدا وملاقيا للنجاسة.
فمع عدم إحراز كون الماء قليلا راكدا حين الملاقاة للنجاسة، لا يحكم بنجاسة هذا الماء المشكوك الكرية، كما أن الماء المشكوك الملاقاة للنجاسة محكوم بالطهارة تعبدا.
مسألة اخرى
إذا كان هناك ماءان، وكان أحدهما معينا نجسا، ثم وقعت نجاسة، ولم يعلم أنها وقعت في الماء الكر أو في الماء الطاهر، فلا يحكم بنجاسة ذلك الماء الطاهر.
ووجه كلام السيد أن العلم الإجمالي إنما يوجب تنجز المعلوم إذا كانت الأصول العملية جارية في كلا الطرفين، ثم تساقطت بسبب التعارض.
فمنجزية العلم الإجمالي متوقفة في الحقيقة على إمكان إجراء الأصول الترخيصية في جميع الأطراف، وإلا فالعلم الإجمالي بنفسه ليس علة تامة للتنجز، وسيأتي بيان ذلك في مباحث الأصول إن شاء الله تعالى.
وفي المقام لا يكون العلم الإجمالي منجزا؛ لأن الأصل العملي لا يجري في طرف الإناء النجس المعلوم.
وعليه، يبقى استصحاب عدم ملاقاة الماء الطاهر للنجاسة بلا معارض، ومع جريانه لا يبقى للعلم الإجمالي بملاقاة أحد الماءين للنجاسة أثر.
فلتكن هذه القاعدة على ذكر منك: إن تنجز العلم الإجمالي متوقف على جريان الأصول الترخيصية في جميع أطراف المعلوم بالإجمال. فإذا لم يكن الأصل جاريا في أحد الأطراف من أول الأمر، خرج ذلك الطرف عن كونه طرفا للعلم الإجمالي، ولم يكن العلم الإجمالي منجزا، بل يكون المقام كالشبهة البدوية التي يجري فيها الأصل بسهولة.
وفي محل الكلام، الطرف الذي علمت نجاسته بالفعل لا تجري فيه الأصول الترخيصية.
فاستصحاب الطهارة لا معنى له، لأن المفروض نجاسته. وكذلك قاعدة الطهارة واستصحاب عدم الملاقاة لا أثر لهما. بل حتى لو وقعت فيه نجاسة جديدة، لم يترتب أثر شرعي جديد؛ لأن إجراء الأصل في هذا الطرف يكون لغوا.
وأما الطرف الآخر، فيجري فيه استصحاب عدم الملاقاة بلا إشكال؛ لأن هذا الماء كان طاهرا سابقا ولم يكن ملاقيا للنجاسة، والآن نشك، فنستصحب عدم الملاقاة، ويترتب عليه بقاء الحكم بطهارته.
نعم، لو قيل بأن نفس العلم الإجمالي علة مستقلة للتنجز، لكان مقتضى ذلك وجوب الاحتياط، إلا أن التحقيق في محله أن هذا المبنى غير تام، وإن كان الاحتياط في نفسه أمرا حسنا.
مضافا إلى أنه لا يمكن في المقام الحكم بنجاسة هذا الماء الذي كان طاهرا سابقا؛ لأن الحكم لم يصبح فعليا من جميع الجهات. أي إننا ما زلنا نتمكن من إجراء الأصل الترخيصي، وهو استصحاب الطهارة في هذا الماء الطاهر، فلم تتحقق فعلية الحكم بالنجاسة، فيبقى محكوما بالطهارة.
وكذلك، وإن كان لنا علم إجمالي بوقوع الملاقاة، إلا أنه لا يوجد علم إجمالي بحدوث نجاسة جديدة؛ لأن النجاسة إما أنها لاقت الإناء النجس، أو لاقت الإناء الطاهر. وفي كلا الفرضين لا يتحقق العلم الإجمالي بحدوث نجاسة جديدة، لأن أحد الطرفين غير قابل للتنجس الجديد.
فالحاصل: أن العلم الإجمالي إنما يكون منجزا إذا كانت الأصول الترخيصية والمؤمنة جارية في جميع أطرافه، وإلا فكل طرف لا يجري فيه الأصل الترخيصي يخرج بنفسه عن أطراف الشبهة.
















ثبت دیدگاه