اصول – مباحث الفاظ – جلسه 64
استبعادات القول بوحدة معنى لفظ «امر»
واما ما يوجب احتمال عدم كون لفظ «امر» ذا معنى واحد فقط، فهو الاستبعادات الواردة في هذا الباب:
الاستبعاد الاول
اذا رجعنا الى اللغة، وجدنا ان لفظ «امر» يجمع على نحوين: فاذا اريد منه غير معنى الطلب كان جمعه «امورا»، واذا استعمل في معنى الطلب جمع على «اوامر».
فمن البعيد جدا ان يكون لفظ «امر» ذا معنى واحد، ومع ذلك يجمع بصيغتين مختلفتين.
اللهم الا ان يقال: لا محذور في ذلك ايضا؛ اذ يمكن ان يكون لفظ «امر» ذا معنى واحد، ولكن باعتبار مصاديقه يجمع في بعض المصاديق على «اوامر» وفي بعض المصاديق الاخرى على «امور»، ولا ينافي ذلك وحدة معنى اللفظ.
الاستبعاد الثاني
لفظ «امر» باعتبار معنى الطلب ليس جامدا، بل له معنى اشتقاقي، فيقال: «امر، يامر، فهو امر و مامور». واما باعتبار معنى الواقعة والشيء فهو جامد، ولا يشتق منه شيء.
فهذا يكشف عن ان لفظ «امر» له معنيان مختلفان.
والجواب عنه ايضا هو ما اشرنا اليه سابقا، من انه لا مانع من ان يكون للفظ موضوع له واحد، ولكن تختلف حيثياته باختلاف الاعتبارات.
فمثلا لفظ «امر» باعتبار بعض مصاديقه يكون قابلا للاشتقاق، وباعتبار بعض مصاديقه الاخرى لا يكون قابلا له.
فاذا لوحظت فيه النسبة الناقصة كان قابلا للاشتقاق، كما هو الحال في المصادر، واذا لوحظت فيه النسبة التامة والكاملة كان حاله حال الجوامد.
مضافا الى ان هذا الاستبعاد الثاني انما يتم بناء على بعض المباني، والا فاذا قيل بان الجوامد اساسا خارجة عن محل بحثنا، فلا تبقى لهذا الاستبعاد ثمرة.
نتيجة البحث في معنى مادة «امر»
اقول: بعد الفراغ عن هذه المباحث في مادة «امر»، يمكن ان يقال: لا يبعد ان لا يكون لفظ «امر» ذا اكثر من معنى واحد.
وعلى هذا، فقد ارجعنا معنى الطلب الى غير الطلب، اي الى ذلك المعنى الذي هو موضوع له لفظ «امر»، وهو فعل يمكن ان يجمع الافعال والوقائع والاوصاف في ضمنه.
وهذا المفهوم، مضافا الى اشتماله على المعنى الحدثي، يمكنه بسبب اتصاله بالفعل والوصف ان يشمل معاني الجوامد ايضا.
فلا يبعد ان نقول: ان لفظ «امر» وضع لمعنى كلي ومفهوم عام، كما ان الكلي جامع لمصاديقه.
نعم، التعبير عنه بالجامع، كما تقدم، لا يخلو عن اشكال، وان كان الالتزام بالاشتراك اللفظي اشد اشكالا وابعد قبولا.
الجهة الثانية من جهات مادة الامر
الجهة الثانية من جهات البحث في مادة «امر» هي انه هل اعتبر في مفهوم مادة «امر» العلو، او العلو والاستعلاء، او احدهما، او لا شيء من ذلك؟
لا اشكال في ان الطلب احد مصاديق معنى لفظ «امر». وانما الكلام في ان كل طلب يسمى «امرا»، او ان صدق «امر» على الطلب يتوقف على كون الطالب في مرتبة العلو، مع كونه في مقام الاستعلاء ايضا، او يكفي تحقق احد هذين الامرين؟
المقام الاول
نبحث اولا في هذا المقام عما هو الموضوع لحكم العقل بوجوب الاطاعة.
فهل هو الطلب الصادر عن العالي، او الطلب المصحوب بالعلو والاستعلاء معا، او يمكن ان يكون الطلب موضوعا لوجوب الاطاعة من دون تحقق شيء منهما؟
اذا طرحنا البحث بهذه الصورة، فلا يكون البحث لغويا، ولا يرتبط بتشخيص معنى لفظ «امر» في اللغة.
فاذا قلنا: ان هذه المسالة مسالة عقلية، فلا اشكال في ان العقل يحكم بان ما تجب اطاعته هو الطلب الصادر من العالي حقيقة، والمستعلي حقيقة؛ لان موضوع حكم العقل بوجوب الاطاعة هو الطلب الصادر من المولى، والمولوية هي المرتبة من العلو الحقيقي المعتبرة في المقام.
نعم، الطلب الصادر من المولى الحقيقي قد يكون بلسان الاستعلاء، وقد يكون بلسان غير الاستعلاء، ولكن العقل يجعل كلا منهما موضوعا لوجوب الاطاعة، كما في الطلب بلسان الاقتراح، قال تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾
اقول: ولعل الصحيح ان يقال: انه لا يوجد في مورد المولى الحقيقي طلب غير الطلب بلسان العلو والاستعلاء، وانما تختلف مراتب ذلك الطلب من حيث الحدة والشدة.
المقام الثاني
واما في المقام الثاني، فنبحث في ان العلو والاستعلاء هل اخذا في لفظ «امر» في اللغة العربية او لا؟
ولعل ثمرة هذا البحث فقهيا ان يقال: لو دل دليل على وجوب اطاعة اوامر الوالدين، فاذا قلنا باعتبار العلو والاستعلاء معا، فلو طلب الاب من ولده شيئا بلسان المحبة واللطف، ولم يكن في كلامه استعلاء، فلا بد من القول بعدم شمول ادلة وجوب اطاعة الوالدين لمثل هذا الطلب الصادر من الاب الى الولد.
واما اذا قلنا بان المعتبر في لفظ «امر» هو العلو فقط، ففي هذه الصورة ايضا، حتى لو كان طلب الاب بلسان المحبة والاسترحام، يكون داخلا في ادلة وجوب اطاعة الوالدين.
و کیف کان فهذه الثمرة محل تامل .
















ثبت دیدگاه