اصول – مباحث الفاظ – جلسه 6
قد تقدم أن الوضع يعقبه اختصاص وارتباط بين اللفظ والمعنى و بعد تحقّقه تقوم علاقة بينهما، كما أشار إليه صاحب الكفاية، وهذا الارتباط ليس إلا الملازمة التصورية بين تصور اللفظ وتصور معناه الموضوع له.
وإنما البحث في حقيقة الوضع من جهة أن هذه الملازمة كيف تنشأ، وعلى أي أساس تتحقق.
وقد نسب إلى بعض الأعلام، ومنهم المحقق العراقي، أنه يرى أن الواضع بنفسه يوجد هذه الملازمة، وأن الوضع عبارة عن جعل رابطة تكوينية بين اللفظ والمعنى.
وهذه النسبة غير تامة؛ فإن الملازمة، تصورية كانت أو تصديقية، من الأمور الواقعية الراجعة إلى نحو من أنحاء السببية، والسببية أمر تكويني لا ينشأ بمجرد الجعل والاعتبار، وإلا لأمكن إيجاد الملازمة بين كل أمرين متباينين بمجرد الفرض، وهو بديهي البطلان.
وربما أورد بأن السببية لو جعلت مطلقة لزم فسادها؛ إذ من لا يعلم بالوضع لا ينتقل ذهنه من اللفظ إلى المعنى.
فالعلم بالوضع شرط في تحقق هذه الملازمة، فلو كان الوضع نفس السببية، لزم الدور؛ لأن العلم بالشيء متوقف على وجوده، ووجوده على الفرض متوقف على العلم به.
والجواب أن الوضع ليس نفس السببية.
فإن الملازمة على أنحاء:
الأول: الملازمة التكوينية المحضة، كملازمة العلة والمعلول.
الثاني: الملازمة الاعتبارية المحضة، التي لا واقع لها سوى الاعتبار.
الثالث: الملازمة التكوينية الناشئة بعد اعتبار الواضع، بمعنى أن اعتباره يكون معدا وممهدا لحصول تلك الملازمة الواقعية في الذهن.
فالملازمة ليست نفس الوضع، وإنما الوضع والاعتبار مقدمة لحصول تلك العلقة التكوينية.
ويقرب ذلك ما يشاهد في التجارب المعروفة، فإن الحيوان إذا اقترن عنده الطعام بصوت مخصوص مرات عديدة، انتقل ذهنه بعد ذلك إلى الطعام بمجرد سماع الصوت، مع عدم وجوده خارجا، وهذه الملازمة أمر حقيقي تكويني، وإن كان منشؤها التكرار والاعتياد.
فالوضع بمعناه المصدري أمر اعتباري، وأما الملازمة والاختصاص الحاصلان بعده فهما أمران حقيقيان، وهما المراد من العلقة الوضعية التي هي معنى الوضع بالاسم المصدري.
جواب آخر
وقد أجيب عن الإشكال أيضا بأن الممتنع إنما هو أخذ العلم بالمجعول في موضوع نفسه، وأما أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول فلا محذور فيه.
فلو قال المولى: تجب الصلاة على من علم بهذا الجعل، فإذا علم المكلف بالجعل ثبت الوجوب الفعلي في حقه.
فعلى هذا، لو فرض أن الوضع هو نفس الملازمة، كان معناها أن الواضع جعل الملازمة لمن علم بهذا الجعل، فإذا حصل العلم صارت الملازمة فعلية في حقه.
في مسلك الاعتبار
ذهب جماعة إلى أن الوضع أمر اعتباري إنشائي، وأن الواضع يعتبر بين اللفظ والمعنى اختصاصا وارتباطا، وفي طول هذا الاعتبار تحصل الدلالة اللفظية والملازمة التصورية.
ومن هذا القبيل نصب العلامات في الطرق، أو جعل الاسم للمولود، فإن ذلك كله من سنخ الاعتبار والاصطلاح، لا من سنخ التكوين.
وقد ذكروا في تصوير هذا الاعتبار وجوها:
الأول: اعتبار الاتحاد بين اللفظ والمعنى
وحاصله أن الواضع ينزل اللفظ منزلة المعنى، حتى كأن اللفظ هو المعنى بعينه، فإذا ألقي اللفظ فكأن المعنى قد ألقي، فيحصل نحو اتحاد وهوهوية بينهما.
ومن هنا ربما يستحسن بعض الألفاظ أو يستقبحها تبعا لمعانيها.
الثاني: جعل العلامية
وهو أن يعتبر اللفظ علامة على المعنى، فيكون آلة للانتقال إليه.
الإيراد الأول
إن تفسير الوضع باعتبار الاتحاد والتنزيل بعيد عن الأذهان، مع أن الوضع من أبسط الأمور التي مارسها العقلاء قبل الالتفات إلى هذه التحليلات الدقيقة.
فلا يصح جعل هذه الاعتبارات المعقدة حقيقة للوضع.
والجواب
أن التحليل العقلي لا ينافي بساطة الاعتبار عند العقلاء، فإن أصل جعل اللفظ للمعنى أمر بسيط، وإن كان تحليله الفلسفي دقيقا.
الإيراد الثاني
إن قياس الوضع على نصب العلامات غير تام؛ لأن العلامة الخارجية تشتمل على ثلاثة أمور: العلامة، ومحل نصبها، وما جعلت علامة عليه.
وأما الوضع فلا يوجد فيه إلا اللفظ والمعنى.
والجواب
أن المعنى وإن كان واحدا بحسب الذات، إلا أنه يلاحظ من جهتين:
فتارة يلاحظ بما هو الموضوع له، وأخرى بما هو متعلق اعتبار الواضع، فلا مانع من تحقق نظير ذلك في باب الوضع أيضا.
على أن اللفظ لم يوضع للوجود الخارجي، وإنما وضع للماهية والمفهوم الذهني.
الإيراد الثالث
إن هذا الاعتبار لو كان صحيحا، للزم أن يترتب عليه أثر وجودي، فيوجد المعنى أو أثره بمجرد التلفظ باللفظ، مع أن اللفظ لا يوجب وجود المعنى في الخارج، فيكون الاعتبار لغوا.
والجواب
إنما يتم ذلك لو لم يترتب على الوضع أثر أصلا.
وأما مع ترتب العلقة الوضعية، وانتقال الذهن من اللفظ إلى المعنى، كما يشهد به التبادر والاطراد وسائر علامات الحقيقة، فلا يكون الاعتبار لغوا، بل يكون هذا الانتقال هو الأثر المقصود من الوضع.
الإيراد الرابع
لو كان الوضع مجرد اعتبار، لم يكن اللفظ في الحقيقة نفس المعنى، بل غايته التنزيل والفرض.
وهنا احتمالان:
الأول: أن يكون المقصود إيجاد دلالة تصديقية على وجود المعنى في الخارج أو الذهن، نظير دلالة الدخان على النار.
ومن الواضح أن الألفاظ لا تدل على وجود معانيها بهذا النحو، فإن التلفظ بلفظ “زيد” لا يكشف عن وجوده الخارجي.
الثاني: أن يكون المقصود إيجاد دلالة على قصد المتكلم، فيكون مدلول اللفظ هو قصد إخطار المعنى في ذهن السامع.
إلا أن هذه الدلالة لا تحصل بمجرد الاعتبار، بل تحتاج إلى تعهد والتزام من الواضع، ومن هنا ذهب جماعة إلى مسلك التعهد.
والجواب
إن أراد القائل بمسلك الاعتبار مجرد جعل اللفظ علامة للمعنى، بحيث يحصل منه الانتقال التصوري لا الدلالة التصديقية، فلا بأس به في الجملة.
إلا أن الإشكال باق بحاله؛ فإن الملازمة التصورية أمر واقعي تكويني، والأمور التكوينية لا توجد بمجرد الاعتبار.
وتوضيح ذلك: أنه لو كان الاعتبار كافيا في إيجاد الملازمة، للزم تحققها في كل مورد اعتبر فيه شيء منزلة شيء آخر.
مع أنه ليس كذلك.
ألا ترى أن الشارع قال:
«الطواف بالبيت صلاة.»
ومع ذلك لا يصير تصور الطواف ملازما لتصور الصلاة، لا في الذهن ولا في الخارج.
فيكشف ذلك عن أن منشأ الملازمة التصورية أمر واقعي، لا مجرد الاعتبار.
فالاعتبار لا يزيد على كونه معدا ومقدمة لحصول تلك الملازمة.
فالعمدة في الإشكال على هذا المسلك أنه لا يفسر حقيقة الوضع، أعني الملازمة التصورية الواقعية بين اللفظ والمعنى.
















ثبت دیدگاه