اصول – مباحث الفاظ – جلسه 56
على فرض تسليم جريان اصل البراءة والاستصحاب في بحث المشتق، على النحو الذي تقدم بيانه، الا ان في المقام اصولا عملية اخرى تجري في موارد الشك في سعة مفهوم المشتق وضيقه، غير البراءة والاستصحاب، ويكون مقتضاها ايضا الالزام، لا البراءة.
ونشير هنا الى جملة من هذه الموارد:
الاستصحاب الموضوعي او الحكمي الطولي
المورد الاول: ما اذا لم يجر الاصل بالنسبة الى نفس المشتق والحكم المترتب عليه، ولكن يتعلق بذلك الموضوع عمل آخر تكون فيه اركان الاستصحاب تامة.
فمثلا لو ورد في الدليل: «الماء الكر المتغير بالنجاسة طاهر ولا ينجس، ولكنه ليس رافعا للحدث ولا للخبث».
فاذا شككنا في ان عنوان «المتغير» هل ظاهره خصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل او يعم من انقضى عنه المبدأ، فبعد زوال التغير نشك قهرا في مطهرية ذلك الماء.
فقد لا يجري استصحاب عدم المطهرية في نفس الماء، ولكن يجري في طوله استصحاب بقاء النجاسة في الشيء الذي غسل بذلك الماء، وكذلك استصحاب بقاء الحدث او الجنابة فيمن توضأ او اغتسل به.
وهذه اصول طولية الزامية، فلا تصل النوبة معها الى اصل البراءة.
الشك في الحجية
المورد الثاني: ما اذا كان عنوان المشتق الذي نشك في سعته وضيقه موضوعا لحكم الحجية، لا لحكم تكليفي.
فمثلا لو ورد في الرواية: «خبر العادل حجة»، وشككنا في مفهوم «العادل»، وهل يشمل من كان عادلا سابقا ثم صدر منه فعلا ارتكاب الصغيرة، ام لا.
ففي هذا المورد، لو لم يجر استصحاب الحجية، فلا تصل النوبة الى البراءة، بل المرجع عند الشك في الحجية هو اصالة عدم الحجية.
حصول العلم الاجمالي
المورد الثالث: ما اذا حصل لنا علم اجمالي، وكان هذا العلم الاجمالي موجبا لتنجز التكليف وسقوط اصل البراءة.
فمثلا لو ورد دليل: «اكرم الفقيه»، وورد في دليل آخر: «يجوز تقليد الفقيه»، ثم شككنا في صدق عنوان المشتق «الفقيه» على الفقيه الذي عرض عليه النسيان، فقد يحصل لنا علم اجمالي بانه اما يجب اكرامه واما لا يجوز تقليده.
وهذا العلم الاجمالي منجز، فيلزم المكلف الاحتياط، بان يكرمه ولا يقلده.
وعليه، لا تجري البراءة عن وجوب اكرامه.
حاصل البحث في الاصول العملية في بحث المشتق
وحاصل ما تقدم في الاصول العملية في بحث المشتق امور:
اولا: اذا شككنا في ان المشتق هل وضع للاعم، اي للمعنى الاوسع، او للاخص، اي لخصوص المتلبس بالمبدأ في الحال، فلا يمكننا الرجوع الى الاستصحاب لتعيين معنى الموضوع له؛ لان هذا الاستصحاب من الاصول المثبتة، وقد تقدم الكلام فيه.
ثانيا: تقدم ايضا انه اذا اردنا في المسألة الفقهية اثبات حكم الموضوع او متعلق الحكم الذي اخذ فيه المشتق، وشككنا في ان المشتق هل وضع للمعنى الاوسع او للمعنى الاخص، فلا يجري ايضا الاستصحاب الموضوعي؛ لان الشبهة مفهومية، فلا يمكننا استصحاب مفهوم «العالم» بعد زوال العلم، ولا استصحاب مفهوم «الفاسق» بعد التوبة، ولا استصحاب مفهوم «المؤمن» بعد صدور المعصية.
ثالثا: وتقدم في الرجوع الى الاصول الحكمية، كالبراءة والاستصحاب، انه اذا اخذ المشتق في متعلق الحكم، رجعت المسألة الى دوران الامر بين الاقل والاكثر، او بين التعيين والتخيير؛ لانا لا ندري هل تعلق الحكم الفعلي بالجامع او بخصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل.
وعلى المشهور، يكون هذا المورد مجرى للبراءة.
واما اذا اخذ المشتق في موضوع الحكم، على نحو يكون الحكم انحلاليا، فهنا ايضا يكون الشك في تكليف زائد، وتجري البراءة.
رابعا: والنكتة الاخيرة التي تقدم ذكرها هي التفصيل الذي ذكره صاحب الكفاية.
فقد ذكر ان كان للحكم بالوجوب والالزام حالة سابقة، كما اذا كان وجوب اكرام العالم مشروطا بشرط، ولم يكن ذلك الشرط حاصلا في زمان تلبس الشخص بمبدأ العلم، ثم حصل الشرط بعد انقضاء المبدأ، ففي هذا المورد تجري البراءة؛ لان الوجوب لم تكن له حالة سابقة.
واما اذا كانت لوجوب اكرام العالم حالة سابقة، وكان الوجوب مطلقا غير مشروط بشرط، بمعنى ان وجوب الاكرام كان فعليا للشخص في زمان تلبسه بالمبدأ، كما اذا كان اكرامه واجبا بالامس حين كان عالما، ثم عرض عليه النسيان اليوم، وشككنا في ان عنوان «العالم» هل يشمله او لا، فقد ذكر صاحب الكفاية ان استصحاب بقاء الوجوب يجري، ولا تصل النوبة الى البراءة.
وقد اورد بعض الاعلام اشكالات على هذا التفصيل الذي ذكره صاحب الكفاية، وبمراجعة كلماتهم يظهر ان بعض هذه الاشكالات مبني على اختلاف المبنى، كما ان في الاشكالات البنائية ايضا مطالب ذكرت في المقام.
ولكن عندنا ان كلا القسمين من الاشكالات لا يتم، وان تفصيل صاحب الكفاية تفصيل متين يمكن قبوله، على فرض القول بجريان الاصول العملية مطلقا في مثل هذه الموارد.
















ثبت دیدگاه