اصول – مباحث الفاظ – جلسه 55
واما المقام الثاني: الاصل العملي في المسألة الفقهية
قد يخطر بالبال في المسألة الفقهية ابتداء انه يجري فيها ايضا استصحاب موضوعي، ويمكن الرجوع اليه، وهذا الاصل الموضوعي هو استصحاب بقاء عنوان المشتق.
فمثلا اذا قال المولى: «اكرم العالم»، وشككنا في انه بعد ان عرض على الشخص النسيان، هل لا يزال عنوان العالم صادقا عليه ام لا، امكننا استصحاب بقاء كونه عالما.
وذلك لانا نعلم يقينا انه في زمان التلبس بالمبدأ كان عنوان العالم صادقا عليه، ونشك الآن في ارتفاع هذا العنوان، نظير سائر الموارد التي نشك فيها في بقاء موضوع الحكم، كما اذا شككنا في بقاء حياة زيد، فنستصحب بقاء حياته ونرتب عليه الحكم، لان الحكم في مثل هذه الموارد مترتب شرعا على ذلك العنوان، وليس ذلك من الاصول المثبتة.
ولكن هذا الاستصحاب ايضا لا يتم.
وذلك لان لنا ضابطة كلية، وهي انه في كل مورد يكون الشك في مفهوم لفظي، بمعنى ان تكون الشبهة مفهومية، ولا نعلم ان اللفظ المأخوذ في موضوع الحكم الشرعي هل معناه اعم او اخص، وكان معناه مجملا عندنا، فانه لا يجري استصحاب ذلك المفهوم، وان كانت له حالة سابقة، كما في عنوان المشتق في زمان التلبس.
وذلك لان المستصحب هنا ليس هو الواقع الخارجي، بل هو مسمى اللفظ بما هو مسمى، مع ان هذه الحيثية ليست هي الموضوع لحكم الوجوب.
فموضوع وجوب الاكرام هو الواقع والمعنى الخارجي، وهذا المعنى الذي تعلق به الحكم مردد بين الاعم والاخص.
وبعبارة اخرى: لیس الشک في بقاء الموضوع الخارجي، وانما الشک في ما هو الموضوع عند الشارع ؟ فان الشك في الحقيقة انما هو في مسمى اللفظ بما هو مسمى، مع ان هذه الجهة ليست موضوعا للحكم.
فمسمى اللفظ ليس هو الواجب اكرامه، وانما الواجب اكرامه هو الواقع والمعنى الخارجي، اعني ما هو العالم.
ومن هنا تقرر الضابطة الكلية في الشبهات المفهومية، وهي ان الاستصحاب لا يجري فيها.
هذا تمام الكلام في الاستصحاب الموضوعي.
الاصل العملي الحكمي في المسألة
واما من جهة الاصول الحكمية في المسألة، فالكلام يقع في البراءة والاستصحاب الحكمي.
وقد يؤخذ عنوان المشتق تارة في موضوع الحكم، كما في قوله: «اكرم العالم»، وتارة في متعلق الخطاب، كما في قوله: «اعتق رقبة مؤمنة».
الفرق بين موضوع الحكم الشرعي ومتعلق الخطاب
اما متعلق الحكم فهو الشيء الذي تعلق به الوجوب وطلبه الشارع من المكلف، ويجب على المكلف اتيانه، وهو المكلف به.
واما موضوع الحكم، كموضوع الوجوب، فهو الذي لا يكون الحكم فعليا ما لم يوجد، ولا يكون المكلف موظفا بايجاده، بل لا بد من تحقق الموضوع حتى يصير الحكم فعليا.
وعليه، ففعلية التكليف متوقفة على وجود الموضوع.
واما اذا كان المشتق مأخوذا في متعلق التكليف، وشككنا في انه موضوع للمعنى الاعم او لخصوص المتلبس بالمبدأ، كان ذلك من مصاديق المسائل الاصولية المعروفة، اعني دوران الامر بين التعيين والتخيير، او الاقل والاكثر.
وسيأتي تفصیله في محله ان شاء الله تعالى، ان البراءة تجري عن التعيين، فيثبت التخيير، ويجوز للمكلف حينئذ عتق الرقبة الكافرة ايضا.
نعم، قد ذهب بعض الاعلام الى الاحتياط في مثل هذه الموارد، ولكن لا بد من ملاحظة الادلة والخطابات الشرعية في كل مورد على حدة، حتى يتبين مورد جريان البراءة والتخيير والاحتياط.
فالثمرة الفقهية حينئذ هي انه اذا قلنا بالتخيير، كان هذا النتيجة موافقة لقول من يقول بوضع المشتق للاعم.
واما اذا كان المشتق مأخوذا في موضوع الحكم، كما في «العالم» في قوله: «اكرم العالم»، فان الشك في معنى المشتق يرجع قهرا الى الشك في فعلية وجوب زائد بالنسبة الى العالم الذي نسي علمه، وحينئذ يكون المورد مجرى للبراءة.
ولكن على ما اخترناه، حيث اثبتنا بالدليل ان المشتق موضوع لخصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل، فلا يبقى شك في مثل هذه الموارد، بل في مثل قوله: «اعتق رقبة مؤمنة» يجب عليه عتق الرقبة المؤمنة والاكتفاء بها.
وقد فصل صاحب الكفاية في المقام تفصيلا.
وحاصل كلامه ان انقضاء المبدأ في مسألتنا يكون على فرضين:
الفرض الاول: انقضاء المبدأ بعد فعلية حكم الوجوب.
بمعنى ان شخصا كان عالما بالامس، وكان وجوب اكرامه فعليا ايضا، ثم نسي علمه اليوم، وشك المكلف في وجوب اكرامه.
فقد ذهب المحقق الخراسانی الى ان استصحاب بقاء الوجوب السابق يجري، ويكون استصحاب الحكم مقدما على اصل البراءة.
الفرض الثاني: انقضاء المبدأ قبل جعل الوجوب او قبل فعلية المجعول.
فمثلا اذا كان وجوب اكرام العالم مشروطا بشرط آخر، كما لو قلنا: «اكرم العالم اذا رايت المعلول».
ففي هذا الفرض كان الشخص قبل رؤية المعلول عالما قطعا، ولكنه حين رؤية المعلول كان قد نسي علمه.
فقد ذكر صاحب الكفاية انه لا يجري استصحاب الوجوب؛ لان الوجوب في الزمان السابق لم يكن فعليا بالنسبة الى ذلك الشخص حتى يستصحب.
وعليه، يكون المرجع هو اصل البراءة.
















ثبت دیدگاه