اصول – مباحث الفاظ – جلسه 12
قد تقدم بيان هذه المطالب المتعلقة بالوضع العام والموضوع له الخاص بنحو اجمالي، وقد ذكرنا في بداية البحث كلام المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري.
كما تعرضنا للقسم الرابع، وهو الوضع الخاص والموضوع له العام، وذكرنا ان هذا القسم ممكن من جهة الثبوت عنده.
والان وبمناسبة البحث عن القسم الثالث، اي الوضع العام والموضوع له الخاص، يناسب التعرض لاحد الابحاث المهمة في علم الاصول، وهو البحث عن معاني الحروف والفرق بينها وبين المعاني الاسمية.
وكما اشرنا في الجلسة السابقة، ذهب المحقق الخراساني الى ان الفرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي انما هو في كيفية اللحاظ فقط، فقال:
ان المعنى الاسمي يلحظ بنحو الاستقلال.
وان المعنى الحرفي يلحظ بنحو الآلية وعدم الاستقلال.
ولكن قبل الدخول التفصيلي في بحث معاني الحروف، لابد من بيان سائر تقسيمات الوضع التي تذكر بلحاظات اخرى بنحو اجمالي، ثم الرجوع الى البحث الاصلي في المعاني الحرفية.
تقسيمات الوضع
التقسيم الاول: بلحاظ كيفية تصور المعنى
اول تقسيم للوضع كان من جهة كيفية تصور المعنى الموضوع له، وقد تقدم بيانه.
وعلى هذا الاساس ينقسم الوضع الى اربعة اقسام:
١. الوضع العام والموضوع له العام.
٢. الوضع الخاص والموضوع له الخاص.
٣. الوضع العام والموضوع له الخاص.
٤. الوضع الخاص والموضوع له العام.
وهذا التقسيم ناظر الى كيفية تصور الواضع للمعنى.
التقسيم الثاني: بلحاظ كيفية لحاظ اللفظ
التقسيم الثاني للوضع هو من جهة كيفية لحاظ نفس اللفظ.
فاذا وضع لفظ معين ومشخص لمعنى خاص، يسمى:
الوضع الشخصي.
والميزان في هذا التقسيم هو ملاحظة نفس اللفظ المعين.
مثلا: يوضع لفظ خاص كلفظ «زيد» لشخص معين.
واما اذا وضع نوع اللفظ وقالب خاص لمعنى معين، فيسمى:
الوضع النوعي.
ففي الوضع النوعي يكون الملحوظ هو النوع والقالب العام للفظ، لا لفظ معين بشخصه.
مثل:
هيئة «فاعل» في اللغة العربية التي تدل على معنى الفاعلية.
ومادة «ضرب» التي تنقل معنى خاصا في مختلف صيغ المشتقات.
ففي هذه الموارد يكون الموضوع هو النوع والبنية اللفظية، لا فردا خاصا من اللفظ.
التقسيم الثالث: بلحاظ اطلاق وتقييد العلقة الوضعية
ومن تقسيمات الوضع ما يكون بلحاظ العلقة الوضعية والرابطة الموجودة بين اللفظ والمعنى.
فان العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى قد تكون:
مطلقة.
او مقيدة بشرط خاص.
ولكن هذا الشرط:
ليس قيدا لنفس الوضع.
ولا قيدا للموضوع له.
بل هو راجع الى كيفية الارتباط بين اللفظ والمعنى.
وقد ذكر المحقق الخراسانی هذا البحث ضمن بيان الفرق بين المعاني الاسمية والحرفية.
فقد قال:
ان استقلال المعنى في الاسماء وآلية المعنى في الحروف، قد اخذت قيدا في نفس الوضع، لا في معنى الموضوع له.
لان اخذ هذه القيود في الموضوع له يوجب محاذير واشكالات.
وعليه يقع البحث في ان هذا النحو من التقييد في نفس الوضع، اي في نفس العلقة والرابطة بين اللفظ والمعنى، هل هو ممكن ام لا؟
التقسيم الرابع: بلحاظ منشأ الوضع
ومن تقسيمات الوضع ما يكون بلحاظ منشأ حصول الوضع.
وبهذا الاعتبار ينقسم الوضع الى ثلاثة اقسام:
١. الوضع التعييني
وهو ما يكون فيه جعل الواضع للفظ لمعنى معين بصورة مباشرة.
كما لو اختار شخص لفظا معينا وقال:
جعلت هذا اللفظ لهذا المعنى.
٢. الوضع التعيني
وهو ما يحصل بسبب كثرة الاستعمال.
وذلك بان يستعمل اللفظ اولا في معنى معين، ولو كان ذلك المعنى مجازيا ومحتاجا الى قرينة، ثم بسبب كثرة الاستعمال يثبت ذلك المعنى في الذهن، بحيث ينتقل اللفظ الى ذلك المعنى من دون قرينة.
ففي هذه الحالة يحصل الوضع بواسطة كثرة الاستعمال والانس الذهني.
٣. الوضع التعييني بالاستعمال
القسم الثالث هو الوضع التعييني بواسطة الاستعمال.
وقد يقع احيانا ان يكون الواضع في نفس الوقت مستعملا للفظ، فيجعل نفس الاستعمال وسيلة لتحقق الوضع.
مثلا: يشير شخص الى ولده ويقول:
«جئني بولدي علي»
ويقصد بهذا الاستعمال نفسه ان يجعل اسم هذا المولود «عليا».
ففي هذا المورد يوجد استعمال واحد، ولكنه في الوقت نفسه يكون سببا لتحقق الوضع.
اشكال المرحوم النائيني على الوضع التعييني بالاستعمال
قال المحقق الآخوند:
لا مانع من تحقق الوضع التعييني باستعمال واحد.
ولكن المحقق النائيني اورد اشكالا، وحاصله:
ان المستعمل في مقام الاستعمال يلاحظ اللفظ بما هو آلة لايصال المعنى، اي ان لحاظه للفظ لحاظ آلي.
فمثلا عندما يقول الشخص:
«احضر عليا»
فان ذهنه لا يتوجه الى نفس لفظ «علي»، بل يجعل اللفظ وسيلة للاشارة الى الشخص المعين وارادته.
واما في مقام الوضع، فلابد للواضع ان يلاحظ اللفظ بنحو الاستقلال حتى يجعله للمعنى.
ففي مقام الوضع:
لحاظ اللفظ استقلالي.
وفي مقام الاستعمال:
لحاظ اللفظ آلي.
وعليه، اذا قلنا بان شخصا واحدا يكون في آن واحد واضعا ومستعملا، يلزم ان يكون الشيء الواحد من جهة واحدة ملحوظا بلحاظ استقلالي وآلي في الوقت نفسه، والجمع بين اللحاظين المتناقضين محال.
الاشكال الثاني للمحقق النائيني
الاشكال الثاني هو ان قولنا:
«جئني بولدي علي»
بهذا الاعتبار لا يكون استعمالا صحيحا؛ لانه لا هو استعمال حقيقي ولا استعمال مجازي.
اما انه ليس بحقيقي:
فلان الاستعمال الحقيقي متوقف على وجود المعنى الموضوع له، والحال انه في المقام لم يتحقق الوضع بعد.
واما انه ليس بمجازي:
فلان الاستعمال المجازي عبارة عن استعمال اللفظ في غير المعنى الحقيقي مع وجود علاقة ومناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي.
وفي المقام لا توجد مثل هذه العلاقة.
فاذن هذا الاستعمال ليس استعمالا حقيقيا ولا مجازيا.
















ثبت دیدگاه