فقه – مباحث طهارت – جلسه 2
وقد استدل من الآيات بقوله تعالى: و انزلنا من السماء ماء طهورا ، فذكروا انّ الآية الشريفة تدل على كل منهما على طهارة الماء و مطهريته، إذ انّ لفظ الطهور فيها يدل على كونه طاهرا في نفسه ومطهّرا لغيره من الحدث والخبث.
وقد أورد بعضهم إشكالا على هذا الاستدلال، وحاصله أنّ لفظ الطهور لا يدل على المطهر، لأن مادة الطهارة لازمة غير متعدية، وصيغة المبالغة في الأفعال اللازمة لا تقتضي التعدية، كما في قولنا ضرب وضروب، فإنّ المادة متعدية، فيصحّ أن تدل الصيغة على التكثير في الفعل المتعدي، بخلاف أكل وأكول، فانّ الأكل لازم لا متعدي، فالأكول كثير الأكل لا الذي يطعم غيره. وعلى هذا قالوا إنّ الطهور بمعنى كثير الطهارة، لا بمعنى المطهر لغيره.
لا يقال: إنّ معنى كثير الطهارة غير معقول، إذ لا يتصور تكثير في الطهارة، فانه یقال: بل یمکن تصوره و هو امر معقول، فإنّ الطهور بمعنى المبالغة في الطهارة كما ورد في الخبر النبوي الشريف: خلق الله الماء طهورا لا ینجسه شیء الا ما غیر لونه او طعمه او ریحه. فالمعنى أنّ الماء قوي الطهارة، لا تؤثر فيه النجاسة ولا تنفعل به، فهو شديد الاعتصام بنفسه. فالمبالغة هنا في لزوم الطهارة وشدتها، لا في تعديتها إلى الغير.
وخلاصة الكلام أنّ للطهور ثلاثة معان محتملة: أحدها المبالغة في الطهارة، والثاني ما يتطهّر به، والثالث الطاهر المطهر. وقد نقل جماعة من الفقهاء عن المصباح والقاموس وغيرهما من كتب اللغة أنّ الطهور بمعنى الطاهر المطهر، وبه يندفع الإشكال الأول.
ثم أجيب عن وجه آخر، وهو أنّ القول بتفاوت الطهارة شدة وضعفا إنما يصح في الأمور الخارجية كالنظافة الحسية، وأما الطهارة الشرعية فهي من الأمور الاعتبارية التي لا تتصف بالشدّة والضعف، كما في الملكية والزوجية، فإنها لا تقبل التفاوت، بل هي دائرة بين الوجود والعدم، فليس للطهارة الشرعية مراتب شدة وضعف.
ثم إنّ بعضهم أشكل أيضا بأنّ الآية الشريفة مسوقة لبيان خصوص ماء السماء وأنه طهور دون سائر المياه، إذ النكرة في سياق الإثبات لا تفيد العموم. وأجيب بأنّها في مقام الامتنان، كقوله تعالى و ینزل علیکم من السماء ماء لیطهرکم به ومقام الامتنان يقتضي العموم، مضافا إلى الروايات الدالة على أنّ مياه الأرض كلها من ماء السماء، فكل ما في الأرض من الماء أصله المطر.
إلا أنّ هذا الجواب قد نوقش بأنّ تلك الروايات لا تدل على كون كل ماء في الأرض أصله السماء، بل غايتها أنّ ما ينزل من السماء يُدَّخر في الأرض على صور مختلفة، كالعُيون والأنهار والآبار، وأنها باقية من آثار المطر، لا أنّ جميع المياه الأرضية ناشئة من المطر حقيقة.
ومن هنا قال بعض المحققين إنّ القول بأن منشأ بعض المياه من التبخر ليس منافيا للشرع، لأنّ نظام الطبيعة من خلق الله تعالى، ولا منافاة بين القوانين التكوينية والآيات والروايات الشرعية.
ثم یمکن ان یکون معنی رابع في الآية الشريفة و انزلنا من السماء ماء طهورا فاعلم انّ المعاني الثلاثة المتقدمة كلها مبنية على كون الطهارة شرعية جعليّة اعتبارية، بمعنى أن الطهارة هي ارتفاع المانع عن الصلاة أو جواز الأكل والشرب من الإناء ونحو ذلك من الآثار الشرعية.
وبعبارة أخرى، الطهور الذي هو الطاهر المطهر يشمل كلا الجانبين، التكويني والتشريعي، لأنّ الله تعالى هو رب التكوين ورب التشريع، فكما خلق الماء من السماء تكوينا، كذلك جعل له حكما شرعيا بالتطهير تشريعا.
فقوله تعالى و انزلنا من السماء إشارة إلى الجعل التكويني، ولفظ طهورا إشارة إلى الجعل التشريعي، سواء فُسر الطهور بالطهارة أو بالطاهر المطهر.
إلا أننا نقول إنّ الطهور في الآية ليس بمعناه الشرعي المصطلح، لأنّ هذه الحقائق الشرعية إنما استقرت بعد زمن نزول القرآن، في عصر الصادقين عليهما السلام، فالآية ناظرة إلى وصف الماء التكويني لا إلى حكمه الشرعي. فالمعنى أن الله تعالى أنزل ماءخلقه على طبيعة مخصوصة فيها خاصية إزالة الاقذار والكثافات عن الاجسام، وهو وصف ذاتي تكويني للماء، كما أن النار بطبيعتها محرقة، كذلك الماء بطبيعته مزيل للكثافات.
وعليه، فطهارته ومطهريته وصفان تکوینیان ذاتیان له، لا مجعولان شرعاً، والآية متضمنة لهذا الوصف الطبيعي، لا للحكم الجعلي. فإذا قال الشارع بعد ذلك: اغسلوا النجاسة بالماء، فذلك من باب إمضاء هذا الوصف التكويني، لا إنشاء حكم جديد، فالجعل فيه إمضائي لا تأسيسي.
فالنتيجة أنّ لفظ انزلنا في الآية تکويني، ولفظ طهورا كذلك، إلا أنّ الله سبحانه أمضى هذا الوصف التكويني في الشريعة، فجعل الماء آلة للتطهير من النجاسات التي اعتبرها الشارع نجسة، لا بمعنى أنّ لفظ الطهور استعمل في معناه الشرعي، بل بمعناه التكويني الذي أمضاه الشرع. فتامل جیدا.
















ثبت دیدگاه