فقه – مباحث طهارت – جلسه 85
مسألة: الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الأحوط، وإن كان الأقوى عدم تنجسه بالملاقاة، نعم لا يجري عليه حكم الكر.
توضیح کلامه:
و قد ذکر المحقق الیزدی أن الماء المشكوك كريته إذا لم تعلم حالته السابقة یلحق على الأحوط بالقليل، وإن كان الأقوى عنده عدم انفعاله بالملاقاة.
إلا أنه لا تترتب عليه أحكام الكر، فلا يطهر به ما يتوقف تطهيره على الغسل بالماء الكر، ولا يحكم بطهارة المتنجس المغسول فيه.
توضيح ذلك
إن هذا الماء المشكوك إذا لم تكن له حالة سابقة، فقد حكم قدس سره بعدم انفعاله بالملاقاة، مع عدم كونه مطهرا بالنحو الذي يكون عليه الماء الكر.
فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأول: في عدم انفعاله بالملاقاة
قد تقدم في الأبحاث السابقة ذكر وجوه لإثبات انفعال هذا الماء، إلا أن شيئا منها لم يخل عن المناقشة، كالتشبث بعمومات أدلة الانفعال في الشبهات المصداقية، والتمسك بقاعدة المقتضي والمانع، والاعتماد على القاعدة الميرزائية القائلة بأن الأحكام الترخيصية الاستثنائية معلقة على عنوان وجودي لا بد من إحرازه.
وقد استوفينا البحث فيها، وانتهينا إلى عدم تمامية شيء منها.
فهل يجري هنا استصحاب عدم الكرية فيقدم على أصالة الطهارة أم لا؟
التقرير الأول للاستصحاب
قد یقال : إن أصل المياه كلها من السماء، والمطر إنما ينزل قطرة بعد قطرة، فكل ماء كان حال نزوله مسبوقا بالقلة، فيستصحب عدم الكرية.
وفيه: أنه كما يجري استصحاب عدم الكرية، يجري أيضا استصحاب الاعتصام، لأن هذا الماء كان حال نزوله من السماء معتصما قطعا، والآن يشك في بقاء اعتصامه، فيستصحب.
فإن قيل: إن استصحاب الاعتصام مبني على جريان استصحاب الكلي من القسم الثالث، لأن الاعتصام الناشئ من المطر قد ارتفع يقينا، والاعتصام المشكوك فرد آخر ثابت في ضمن الكرية.
قلنا: إن استصحاب الاعتصام في الحقيقة راجع إلى استصحاب عدم الانفعال عند الملاقاة، إذ الاعتصام ليس حكما شرعيا مجعولا، وإنما هو عنوان انتزاعي، مرجعه إلى القضية التعليقية، وهي أن هذا الماء لو لاقى النجاسة لم ينفعل.
وحيث إن الاستصحاب التعليقي غير جار على مبنى هؤلاء الأعلام، فلا محيص من إرجاعه إلى استصحاب عدم الانفعال الفعلي، وعدم الانفعال قبل الملاقاة عدم واحد لا مردد بين فردين.
فيرجع حاصل الأمر إلى استصحاب الطهارة.
إلا أن يقال: إن استصحاب عدم الكرية أصل سببي، واستصحاب الاعتصام أصل مسببي، فيقدم الأول، لأن الشك في بقاء الاعتصام مسبب عن الشك في تحقق الكرية فعلا.
ولكنا لا نلتزم بجريان استصحاب عدم الكرية في المقام، لأن الفرض المتعارف في الشك في الكرية هو أن يملأ الحوض من ماء الفرات أو دجلة، ثم يشك في مقدار سعته، ففي مثل ذلك لا أثر لاستصحاب القلة الثابتة حال بدء الخلقة.
غاية الأمر أن يقال: إن استصحاب عدم الكرية لا يجري، لعدم إحراز الحالة السابقة بالنسبة إلى هذا الماء الموجود فعلا في الحوض، إذ لم يثبت لنا يقينا أنه كان غير كر.
فلا تصل النوبة من الأصل إلى السببي والمسببي.
التقرير الثاني للاستصحاب
ولو قيل: يجري استصحاب العدم الأزلي للكرية، بأن تستصحب عدم الكرية الثابت قبل وجود الماء، فيدخل الماء المشكوك ظاهرا تحت عمومات الانفعال.
لأن موضوع الانفعال في رواية أبي بصير مركب من أمرين:
الأول: ملاقاة الماء للنجاسة.
الثاني: أن لا يكون حوضا كبيرا، أي كرا.
فإذا أحرزت الملاقاة بالوجدان، وأحرز عدم الكرية بالاستصحاب، ثبت الحكم بالانفعال.
وفيه: أن استصحاب العدم الأزلي إنما يجري في عوارض الوجود، لا في عوارض الماهية.
فعوارض الماهية كالإمكان بالنسبة إلى الإنسان، وعوارض الوجود كالبياض بالنسبة إلى الجدار.
والكرية من عوارض الماهية، لا من عوارض الوجود.
إلا أنه قد يناقش في هذا الجواب أيضا، والكلام فيه يأتي إن شاء الله تعالى
















ثبت دیدگاه