فقه – مباحث طهارت – جلسه 97
واما المسألة الثانية، فهي ما اذا كان تاريخ الملاقاة معلوما وتاريخ القلة مجهولا.
فقد حكم السيد في العروة بطهارة الماء، ولعل وجهه ابتناؤه على ما اختاره الشيخ الانصاري من عدم جريان الاصل في معلوم التاريخ.
وعليه، فحيث ان استصحاب عدم الملاقاة الى زمان حدوث القلة لا يجري للعلم بتاريخ الملاقاة، يبقى استصحاب عدم حدوث القلة، اعني بقاء الكرية الى زمان الملاقاة، بلا معارض، ويكون مقتضاه الحكم بطهارة الماء.
وقد قيل ايضا: ان استصحاب عدم الملاقاة الى زمان القلة لا يجري لا من جهة العلم بتاريخ الملاقاة، بل من جهة عدم ترتب الاثر العملي عليه، فيبقى استصحاب عدم حدوث القلة الى زمان الملاقاة بلا معارض، ويحكم بطهارة الماء.
واما الصورة الثالثة، فهي ما اذا كان تاريخ القلة معلوما وتاريخ الملاقاة مجهولا.
فقد حكم السيد في العروة بنجاسة الماء، بناء على مبناه من عدم جريان الاصل في معلوم التاريخ.
فعليه، لا يجري استصحاب عدم حدوث القلة الى زمان الملاقاة للعلم بتاريخ القلة، ويبقى استصحاب عدم حدوث الملاقاة الى زمان القلة بلا معارض، ويكون مقتضاه نجاسة الماء.
ولكن قد تقدم ان استصحاب عدم حدوث الملاقاة الى زمان القلة لا يجري في نفسه، لعدم ترتب الاثر العملي عليه، الا بواسطة لازم عقلي واصل مثبت، وذلك لانه لا يثبت النجاسة الا بان يقال: لم تقع الملاقاة في زمان الكرية، ولم تتحقق الى زمان القلة، فكانت واقعة في زمان القلة.
وعليه، فالمرجع هو قاعدة الطهارة، او استصحاب بقاء الكرية الى زمان الملاقاة، على القول بجريان الاصل في معلوم التاريخ.
وقد يقال بالحكم بالنجاسة في هذه الصورة لوجهين:
الاول: الالتزام بحجية الاصل المثبت في المقام، فان استصحاب عدم الملاقاة الى زمان القلة يثبت وقوعها بعد حدوث القلة، وهو موجب لنجاسة الماء، والانصاف ان الواسطة هنا ايضا خفية.
الا ان يقال: ان السيد لا يلتزم بحجية الاصول المثبتة بالجملة.
الثاني: البناء على اصل تاخر الحادث باعتباره اصلا عقلائيا مستقلا، بمعنى ان بناء العقلاء عند الشك على تاخر الحادث، فيكون مقتضاه هنا وقوع الملاقاة بعد القلة، فيحكم بالنجاسة.
ويمكن المناقشة فيه بان اصل تاخر الحادث لا دليل معتبر على حجيته، وانما الثابت منه انه اذا علم بوجود شيء في زمان وشك في حدوثه قبله او في نفس ذلك الزمان، بني على عدم حدوثه قبله، واما اثبات تاخره بالنسبة الى حادث آخر فلا يثبت بناء العقلاء عليه.
مضافا الى انه يمكن اجراء اصل تاخر الحادث في نفس القلة، بان يقال: ان هذه القلة لم تحدث الا بعد تحقق الملاقاة.
ومضافا الى ذلك، فلو سلمنا حجية الاصل المثبت، واجرينا استصحاب عدم الملاقاة الى زمان القلة، لامكن دعوى معارضته باستصحاب عدم الملاقاة بعد زمان القلة، لان الاول يثبت وقوع الملاقاة بعدها، والثاني يثبت وقوعها قبلها، فيتعارضان ويتساقطان، ويرجع حينئذ الى قاعدة الطهارة، او الى استصحاب بقاء الكرية لمن يرى جريانه في معلوم التاريخ.
اقول:
في هذه الصورة ذهب اكثر المحشين على العروة الى الحكم بطهارة الماء، وهو ماء كانت حالته السابقة الكرية، ثم علم بقلته فعلا، وعلم ايضا بملاقاته للنجاسة، غير انه يشك في ان الملاقاة هل كانت حال الكرية او حال القلة.
واما على القاعدة الكاظمية، فقد كانت النتيجة في اكثر الفروض هي الطهارة، واما في المقام فهذا الماء معلوم القلة الراكدة فعلا، ومعلوم ايضا ملاقاته للنجاسة.
وقد تقدم منا ان الماء معتصم بطبعه ومحكوم بالطهارة الى ان يثبت المانع، وهو امر وجودي، اما التغير بسبب النجاسة، واما كونه قليلا راكدا حين الملاقاة.
وعليه، فموضوع الانفعال، وهو المركب من الملاقاة مع النجاسة والقلة الراكدة، قد تحقق جزآه:
اما الملاقاة، فبالاصل، وذلك باستصحاب عدم الملاقاة الى زمان القلة.
واما القلة الراكدة، فبالوجدان.
الا ان يقال: ان هذا الاستصحاب لا يجري، لما تقدم من الوجوه المانعة عنه.
فلذلك نقول في المقام بالاحتياط، لان استصحاب بقاء الكرية، كما ذهب اليه الشيخ، غير جار عندنا، كما ان استصحاب عدم الملاقاة الى زمان القلة ايضا غير جار، وما اورد عليه غير تام، لان الاصل المثبت هنا من قبيل الواسطة الخفية.
واما دعوى معارضته باستصحاب عدم الملاقاة بعد زمان القلة، فهي غير مسموعة، لان الاستصحاب الاول يثبت بنفسه موضوع الحكم واثر الشارع، فلا تصل النوبة الى الثاني.
ولو تم هذا الاشكال، للزم جريانه في عامة الاستصحابات الموضوعية، بامكان فرض اصل معارض في مقابل كل واحد منها، وقد تقدم الكلام في دفعه مفصلا.
















ثبت دیدگاه